رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

شيرين بكر تكتب.. "متى يموت الوحش؟"

الجمعة 07/ديسمبر/2018 - 01:17 م
شيرين بكر
شيرين بكر
طباعة
كل شيء كان قاتلا ولكنني لم أمت .. نعم هذا الفيلم الهندي المذاع على التلفاز يشبه كثيرا حياتي.. فتلك الجثة التي تحولت إلى أشلاء دبت فيها الروح من جديد وجمعت حطامها ليعود الجسد ثابتا .. دقات القلب تتسارع فكادت أن تتوقف عند بعض الكلمات القاتلة .. لا لم تتوقف .. ها هو القلب مازال ينبض ويحيا، إنه يرفض الهزيمة فيقف الجثمان ثم يسقط مغشيا عليه حتى تفيقه رائحة عطر هذا الصغير .. نعم إنه ولدي يهمس بأذني "أفيقي يا أمي وانهضي".
هذا الكف الصغير يحاول حمل الرأس الذي أثقلته حياة مؤلمة لينهض به .. فينجح على غرار حمل البحر لجسم ثقيل الوزن فيتحول في لمح البصر لـ "خف الريشة".
صغيري ترمقني نظراته بقوة وحذر "أمي لا تتألمي لا تبكي" أنا معك، فيهددني إذا بكيتِ سأبكي .. يومًا بعد يوم تتكاثر أسئلة صغيري .. ها هو أبي الذي رحل عن دنيانا في السماء إنه يعيش هناك في هذه السحابة.. انظري إليه يا أمي لماذا لا تريه مثلي؟! .. ها أنا أراه هو لا يستطيع أن يرسل لي القبلات سأرسلها له أنا !.. إنه يراني ولكنه لا يستطيع التحدث معي!.. تتذكري الطعام الذي كنتِ تعدينه إلينا ..هذه الشطيرة المحشية بالجبن فكنتِ تعدينها إلينا ونأكلها أنا وأبي ونحن نشاهد التلفاز سويا .. لماذا لم تعديها يا أمي منذ وفاته؟ .. إني أحبها .. أمي لماذا لا نستطيع أن نذهب إليه سويا فنعيش مع بعضنا البعض؟.. قلتِ لي أن الدعاء مستجاب إذن سوف أدعو الله أن يعيد إلي أبي مرة أخرى لتكتمل أسرتنا مثل الدرس الذي قرأته علينا المعلمة حيث شرحت لنا أن أسرتي مكونة من الأب والأم والأخ والأخت، لما أنا وأنتِ وحيدين؟ هذه الحياة أكرهها.
استمع إلى صغيري وأسئلته البريئة بابتسامة حانية وأذن صاغية وقلب ممزق .. أنصت إليه جيدا وأتبادل معه بعض الضحكات والذكريات والابتسامات .. هدئ من روعك يا ولدي فكم من أسرة تمزق قلبها على فقدان أعز أحبابها بسبب هذا المرض اللعين .. حينما تكبر وتصير شابا سوف أقص عليك حكايات الكثير ممن فقدوا شبابهم وهم يتجرعون هذا السم "الكيماوي" طواعية؛ أملا في الشفاء والقضاء على هذا الوحش الخبيث .. نعم إنه السرطان الذي أصبح يتسلل كل بيت ليخطف منه أعز أحبابه فهناك الأب الذي فقد الابن .. والزوج الذي فقد شريكة حياته والكثير والكثير .. هذا الوحش أضحى يخشاه الجميع فهو لا يرحم صغيرا أو كبيرا ينهش الجسد بلا رحمة.
طالعني نبأ وفاة زميل صحفي شاب بعد معاناة مع هذا المرض اللعين فأحيا بداخلي ذكريات مؤلمة .. نعم إنها نفس الخطوات .. حجز طبيب وتحويل للمستشفى .. جلسات كيماوي وإشعاع.. قرار بالعملية لاستئصال الورم .. رعب يشل تفكيرنا .. طبيب مناوب .. إشاعات مستمرة .. رعب جديد.. نقل دم .. طبيب آلام .. محاولات بائسة لتقليل الأوجاع.. فشل.. ألم.. آمال .. وآمال.. وآمال.. هذا ما تبقى لنا .. بيت ينهار .. روح تفارق.. أبناء تتيتم وأزواج تترمل وآباء وأمهات قلوبهم تنزف دماء على صغارهم. 
هذا الوحش الخبيث الذي تسلل إلى بيتي وبيوت كثيرة .. حاولت قتله مرارا طيلة 5 سنوات لا أخفي عليكم فكنا نقرأ كثيرا في الأبحاث الطبية العالمية وغيرها .. وكان جوجل بمثابة صديق لنا يبحث معنا عن حلول فشل الأطباء في إيجادها فتارة نقرأ عن أنواع الأكلات التي تفتك بعدونا .. وأنواع كثيرة من الأعشاب التي كنا نأتي بها من الخارج.. بالإضافة إلى العسل الجبلي الأصلي وفاكهة القشطة وغيرها وغيرها .. ولكن دون جدوى فهي مجرد فرقعات إعلامية وعناوين للإثارة فقط وربما تكون أبحاث مفبركة تلعب بمشاعرنا وتدب الآمال في روحنا لنكتشف في نهاية المطاف أنها مجرد أوهام.
حياة مريرة، وصراع مستمر مع الورم، هكذا هي حياة مريض السرطان .. الأمر كله يكون عبارة عن حفنة من الأموال على مكتب حسابات المستشفى ومريض لديه آمال في غرفته .. لا ليست آمال.. إنه ينتظر الموت حتى يرتاح من آلامه غير المحتملة.. أعلم أن الموت حتما سيأتي وأن هذا المرض مجرد سبب .. ولكن لما يعجز الطب حتى الآن في إيجاد علاج يقضي على تلك الخلايا الصغيرة التي تفتك بهذا الجسد؟.. ويبقى السؤال.. متى يموت الوحش الخبيث ويخرج من بيوتنا؟.

الكلمات المفتاحية

"
ads
برأيك .. أفضل مسلسل خارج السباق الرمضاني؟

برأيك .. أفضل مسلسل خارج السباق الرمضاني؟