رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

هيكل.. علامة مضيئة في الصحافة والثقافة

السبت 22/سبتمبر/2018 - 10:07 ص
محمد حسنين هيكل
محمد حسنين هيكل
أ ش أ
طباعة
تحل غدا "الأحد" الذكرى الخامسة والتسعين لمولد الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل وسط اتفاق بين المثقفين على أن "ضوء هيكل " مازال ساطعا في الصحافة والثقافة فيما تبقى كتاباته وافكاره ملهمة لجموع المثقفين على امتداد الوطن العربي الكبير من المحيط الى الخليج.
واذا كانت الثقافة الغربية تنتج العديد من الكتب الجديدة والمهمة حول الصحافة ومن أحدثها كتاب "أخبار عاجلة" بقلم الان روزبريدجر الذي يتناول فيه هذا الكاتب البريطاني ما يصفه "بإعادة صنع وصياغة الصحافة في سياقات ثورة الاتصالات والمعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي" فان كتابات هيكل تبقى مهمة سواء على مستوى تاريخ الصحافة او مستقبلها.
ومحمد حسنين هيكل الذي ولد في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1923 وتوفى في السابع عشر من فبراير عام 2016 صاحب رحلة امتدت لما يقرب من الـ75 عاما بين الصحافة والسياسة كما هي بين الصحافة والثقافة.
وفي سياق ذكرى مولده اتفق كتاب ومعلقون في الصحف ووسائل الاعلام على ان محمد حسنين هيكل يشكل نموذجا فريدا للصحفي المثقف ولفت بعضهم لاهتمامه بشباب الصحفيين فيما جاء قراره بتأسيس "مؤسسة هيكل للصحافة العربية" تعبيرا عن ادراك أصيل لأهمية دعم وتطوير القدرات المهنية للشباب وتشجيع العناصر الصحفية الشابة المميزة.
وكان مجلس أمناء مؤسسة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية قد اعلن عن ترتيبات الحفل الختامي لمسابقة المؤسسة والتي تقام غدا "الأحد" بدار الأوبرا في القاهرة تزامنًا مع ذكرى ميلاد الكاتب الكبير وبحضور نخبة من الشخصيات العامة ورجال الإعلام والصحافة.
وإذ يؤكد الذين كان لهم حظ العمل مع هيكل حرصه على تشجيع الموهوبين من شباب الصحفيين "ويأخذ بيد كل شاب يمكن ان يكون صحفيا جيدا وكان يعتقد ان جزءا من مهامه كشف القدرات المهنية الصحفية المميزة للشباب"، تهدف مؤسسة هيكل من خلال هذه الجوائز أن تكافئ صحفيين شباب وشابات تميزوا في مجمل أعمالهم الصحفية خلال عام 2017 على أن تكون هذه الجوائز عونًا لهم على تطوير مهاراتهم وأدواتهم واستكمال ما تتطلبه تلك المهنة العريقة من مواكبة كل ما هو جديد في عالم لا يتوقف عن التطوير والتجديد.
ونشأت مؤسسة هيكل للصحافة العربية عام 2007 بغرض المساهمة الفعالة في تعزيز وتنمية خبرات العاملين بالمجال الصحفي على اختلاف منابره، وتعريفهم بآخر التطورات في الصحافة العالمية، مع التركيز بشكل خاص على الأجيال الشابة من الصحفيين وتشجيع ورعاية الحوار وتبادل الخبرات بين الصحفيين في مصر والعالم، وكذلك تقديم الدعم الفني لشتى المؤسسات الصحفية الناشئة.
وهيكل الذي أصدر كتابا عن المثقفين في مطلع ستينيات القرن العشرين بعنوان "أزمة المثقفين" وتطرق فيه لعلاقة المثقفين بالسلطة هو ذاته يشكل صفحة هامة ودالة في علاقة المثقف والسلطة كما ان دوره كصاحب القرار في تأسيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية منذ نحو نصف قرن والذي تحول الى مدرسة كبرى للبحوث السياسية سيبقى علامة على دور الصحفي المثقف في اثراء الفكر وخدمة قضايا وطنه وامته.
ومحمد حسنين هيكل صاحب الكتاب الشهير عن " أزمة المثقفين" الذي صدر عام 1961 كمحصلة لمناقشات استمرت ثلاثة اشهر مع لفيف من المثقفين المصريين يحفظ عن ظهر قلب مئات ان لم يكن الاف الأبيات من عيون الشعر العربى.
وتشهد قوائم مبيعات الكتب في مصر والعالم العربي وحتى في الغرب على ان محمد حسنين هيكل رغم رحيله عن الحياة الدنيا مازال طرفا رئيسا في الحياة الثقافية وما زالت كتاباته تثير الجدل بين مؤيدين ومعارضين لتستنفر الحواس وتطرح الاسئلة المحرضة على التفكير.
وهيكل هو صاحب مقولة:" لا سياسة بلا ثقافة ولا ظهير للسياسة إلا الثقافة" فيما اصدر نحو 40 كتابا اولها كتاب "ايران فوق بركان" الذي صدر عام 1951 واغلب كتبه ترجمت للغات عديدة وبعضها كتب اصلا بالانجليزية كما انه كتب مقدمات للعديد من كتب كبار المثقفين في مصر والعالم مثل كتاب "كرومر في مصر" لمحمد عودة، وكتاب "ماذا يريد العم سام" للمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي وكذلك كتاب "الأساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية" للمفكر الفرنسي روجيه جارودي ناهيك عن كتاب "غزة-اريحا سلام امريكي" للمفكر الفلسطيني الأصل والراحل العظيم ادوارد سعيد.
وهو وان كان اسمه يقترن بجريدة الأهرام في عصرها الذهبي فقد شغل ايضا منصب وزير الاعلام والارشاد القومي في عام 1970 كما شغل قبل ذلك كأحد ابرز نجوم مؤسسة اخبار اليوم رئاسة تحرير جريدة الاخبار ومجلة اخر ساعة وتولى صياغة العديد من خطب الرئيس جمال عبدالناصر وكتابه "فلسفة الثورة" الصادر عام 1953 فضلا عن الميثاق الوطني الذي اعلن عام 1962.
وبدا محمد حسنين هيكل حريصا على منح فرصة المشاركة في عملية صنع القرار بالمواقع التي شغلها لمثقفين بارزين مثل الدكتور عبد الوهاب المسيري والدكتور عبد الملك عودة اللذين كانا من اهم اعضاء فريقه اثناء شغله منصب وزير الاعلام بينما كان الطابق السادس بصحيفة الاهرام في ظل قيادته يفخر بكوكبة مجيدة من المثقفين المصريين وفي مقدمتهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وحسين فوزي ويوسف ادريس ولويس عوض.
وهكذا يقول الكاتب والشاعر الكبير فاروق جويدة:"في مدرسة الأهرام جمع الأستاذ محمد حسنين هيكل اكبر كوكبة من كتاب مصر ومبدعيها ووفر لهم مناخا ابداعيا وحياتيا جعل من الأهرام قلعة ثقافية في العالم العربي" مضيفا انه قدم اجيالا جديدة من كبار الكتاب والمثقفين.
وفي الوقت ذاته كان الأستاذ محمد حسنين هيكل حريصا على مد الجسور مع مثقفين بارزين على مستوى العالم مثل الأديب ووزير الثقافة الفرنسي الراحل اندريه مالرو والفيلسوف الوجودي الراحل جان بول سارتر وكذلك الصحفي الفرنسي الكبير اريك رولو والمفكر الراحل ادوارد سعيد بينما حق لتجربته الصحفية العريضة ان تكون موضع اهتمام باحثين واكاديميين في الداخل والخارج وان تناقش الجامعات عدة اطروحات للماجستير والدكتوراه حول منجزه الصحفي.
وكان محمد حسنين هيكل قد دعا قبيل رحيله عن الحياة الدنيا "لثورة ثقافية مفرداتها تقديم صحيح الدين وصحيح التاريخ وصحيح العلم" فيما شدد دوما على ان الثقافة عنصر مهم من عناصر الاستراتيجية المصرية.
وبقدر ماجاءت رحلة هيكل بين الصحافة والسياسة مرتكزة على الثقافة فلعل اهمية عامل التكوين الثقافى للصحفى تتجلى بكل الوضوح فى نهج الأستاذ محمد حسنين هيكل حيث "المعالجة بالعمق والحفر المعرفى عند الجذور والتحليق بأجنحة المعرفة نحو افاق المستقبل" والتأكيد على اهمية عدم نزع الأحداث عن سياقاتها التاريخية.
وفي سياق استعادة مرحلة اعداده فى بدايات مسيرته الصحفية المديدة قال محمد حسنين هيكل:"هذا الاعداد كان بالأساس ثقافيا..وثقافيا هنا تعنى المشاهدة والتفكير والاطلاع والمعايشة" مؤكدا ايضا على عامل التنشئة فى بيت "يحمل استعدادا ثقافيا كبيرا".
وقال هيكل:"الكتب جزء مهم فى كل بيت اذهب اليه..فى الأسكندرية..فى الغردقة..فى المنزل الريفى فى برقاش" فيما يرى ان الثقافة هى "حصيلة كل المعارف التى تتوافر للانسان من خلال معايشة الحياة والتاريخ والزمن..ولذلك فمن الخطأ ان نتصور ان الثقافة هى الفن فقط او الرسم فقط او الأدب فقط".
واذا كان المفكر الاستراتيجى الراحل جمال حمدان لم يعرف عنه ادنى نفاق او شبهة مجاملة لأحد على حساب الحقيقة فان لرأيه كل الأهمية عندما وصف محمد حسنين هيكل بأنه احد اعظم الصحفيين المعاصرين فى العالم ان لم يكن اعظمهم على الاطلاق.
اما المفكر والكاتب المغربى عبد الاله بلقزيز الحاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة فيقول: "فى امكاناك وانت تقرأ للأستاذ محمد حسنين هيكل او تستمع اليه متحدثا ان تحسبه اكبر من صحفى واكثر: مؤرخ..باحث استراتيجى..رجل دولة مرموق فى موقع القرار..باحث فى علم السياسة..مفكر..الخ".
ويضيف بلقزيز: "ولن تكون متزيدا حين تفترضه على هذا النحو وتحمل عليه هذه الصفات جميعا فقد نجح فى ان ينتج نصا صحفيا عصيا على التعيين الحصرى من شدة مااكتنزه من ادوات وموارد ليست مما يعتاد حسبانه من عدة الصحافة وعتادها".
ومن ثم فان محمد حسنين هيكل-كمل ينوه عبدالاله بلقزيز-هو "فى جملة عدد جد قليل من الصحفيين فى العالم المعاصر تقرأ كتبه ويحتفظ بها فى المكتبات الشخصية ويرجع اليها عند الحاجة" معيدا للأذهان ان عشرات الكتب التى اصدرها هيكل "باتت مراجع معتمدة للمؤرخين وعلماء السياسة والباحثين فى مجالات الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية والتاريخ السياسى العربى المعاصر".
ومع تعدد ابعاد الكتابة عند هيكل فانه اصر دوما على تعريف نفسه بأنه "صحفى" او بتعبيره الاثير "جورنالجي" وهو مايفسره عبد الاله بلقزيز بأنه ليس من باب التواضع وانما تعبير عن مفهوم يتبناه محمد حسنين هيكل للصحافة باعتبارها " نمط من المعرفة والكتابة والتفكير قوامه الجمع المنظومى بين مجالات معرفية شتى" مضيفا:" وفى هذا التعيين لمعنى الصحافة انتقال استراتيجى للمفهوم بل واعادة تأسيس جديد لمعنى الصحافة".
وفي الذكرى الخامسة والتسعين لمولده ومع رحيله عن الحياة الدنيا منذ اكثر من عامين يبقى الإرث الصحفي- الثقافي لمحمد حسنين هيكل ضوءا لاينطفيء"..انه ضوء من مصر وقبس من روحها الخالدة بقدر مايمنح قلوبنا وعقولنا الدفء والثقة والفخر.
"
هل تؤيد مقترح تعديل عقوبة تعاطي الحشيش؟

هل تؤيد مقترح تعديل عقوبة تعاطي الحشيش؟