رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
فيصل الأحمر
فيصل الأحمر

نظرية أنصاف الأشياء

السبت 22/سبتمبر/2018 - 09:45 م
طباعة
فذلكة
هنالك فكرة تلموذية كتبها قدماء الأحبار، مفادها أن تمام الدنيا فى الخراب التام الذى يشمل العالم، لأنه هو الشرط اللازم لحلول ملكوت الله، الملكوت التام. وهنالك من المعلقين من يفسر نزوع بنى إسرائيل «العقيدي» صوب إشاعة سياسات كثيرة فى العالم وفى التاريخ تؤدى إلى الحروب، إلى الكوارث المالية مثلا، وإلى أشياء يرونها هم جزءا «عاديا» من التاريخ، فيما يراه غيرهم جزءا «عدوانيا»...
بهذا المنطق، سيقول أرسطو أول مرة إن كل فضيلة هى وسط بين رذيلتين، وسيقول كبير فقهاء التلمود فى العصر الحاضر «آدين شتاينسالتز» إن تمام الأشياء يكون فى اقترابها من دوائر النقصان إلى أبعد حد ممكن...لأن الخراب التام يمهد لحلول ملكوت الرب.

تنويعات
لقد كان «المنتصف» قديما اعتبارا حسابيا وعقليا يمكّن من القياس، يمكننا من حيلة فى مقاربة الأشياء. وقد عاش هذا المفهوم مطولا كطريقة فى الحكم الأخلاقى على الأشياء بعدم الاكتمال... ولعل استحضار فكرة الارتباط الكبير بين الحكمة والحساب منذ غابر الأزمنة مفيد هنا لأجل الانتقال من أنصاف الأشياء جبريا إلى فكرة الكمال التى نجحت الفلسفة فى تشكيل خطابات حولها فيما ظلت الرياضيات تتعاطاها بخجل كبير.
سيعطينا الخطاب الثقافى عادات فى القول مثل تعابير «نصف رجل» للجبان أو لغير الناضج، و«نصف مملوء» للكأس أولا ولكل الأمور التى تستدعى التفاؤل أو التشاؤم، وسوف نجد أنفسنا أمام مشاريع نقطع فيها «نصف المسيرة»؛ تبشيرا بإنجازات جميلة تنتظر الاستكمال، أو إنجازات منقوصة لا بد من فهم نقصانها.
وسنجد عاداتنا الثقافية تقول مع شاعر الخراب الأندلسي؛ ابن مدينة «رنده» التى كانت كاملة الجمال غير منقوصة إلا من شاعر يقول فى رثاء الأندلس: «لكل شيء إذا ما تم نقصان».. ولكننا سنجد أنفسنا دائما نعانى فى نظرية أنصاف الأشياء بأن الحقيقة هى دائما مسار غير مكتمل.
فماذا يمكننا أن نفعل مثلا «بنصف الحقيقة»؟
يميل برتراند راسل إلى الثقة العمياء فى العلوم، وفى الجبر والهندسة، شأنه فى ذلك شأن كثير من الحكماء المشتغلين فى ميدان الرياضيات. وقد حاول الفلاسفة طورا بعد طور أن يجعلوا الرياضيات مرة أداة بيد الله – أفلاطون، أفلوطين، الفلاسفة المسلمون، لا يبنتز، باسكال، ديريدا...الخ الخ-، وحاولوا مرة أخرى جعلها أداة لهيمنة يد الإنسان على الحياة ولتعويض يد الله بأشكال متفاوتة – أرسطو، فيثاغورس، عمر الخيام، غاليليو، توريتشيلي، هوسرل...الخ الخ-، إلا أن برتراند راسل ينتهى إلى دفع عجلة التفكير إلى نقطة أبعد بكثير، فيقول حول مفهوم جماليات التصور الرياضى للعالم: «والجمال الرياضى جمال بارد جاف صلف، مثله مثل جمال المنحوتات التى لا تهتم بأي إشارة إلى أى جزء من طبيعتنا الهشة، فى خلو تام من أوهامنا واستيهاماتنا التى يتضمنها كل من الرسم أو الموسيقى، ومع ذلك فهو جمال خالص وسامٍ من ذلك الصنف الذى لا تستطيع ترجمة كماله ومثاليته إلا أعظم الفنون» ( B. Russell، Mysticism and Logic and Other Essays، Londres، Longmans، Green، 1918).
وهنا ننتقل إلى مسافة مهمة هى المسافة بين التصور الذى أصله الطبيعة، وذلك الذى أصله متعال، لأنه يبدو متعاليا على ما هو فيزيقي. وللغة والثقافة أن يذكرانا بتعبير شهير جدا مثل وصف الجمال الخالص بأنه «جمال بلوري»... فإذا كان للرياضيات فى المقولة أعلاه جمال بلورى (والبلورات شكل فيزيقى على كل حال) فإن الحسابات التى تكشف جوهر البلورات غالبا ما تأتى من تشكيلات جبرية ومعطيات هندسية لا صلة طبيعية بينها وبين بريق البلور.
يمكننا أن نبتسم مستحضرين المسار الدراسى المكتمل للحكيم التلموذي «أديم شتاينسالتز» وهو الذى درس الرياضيات وتفريعيها الشهيرين: الفيزياء والكيمياء، قبل أن يتخصص فى الفقه اليهودي. ويمكننا أن نستحضر التعبير المأثور عن نيكوس كازانتزاكى على لسان بطله ألكسيس زوربا «الخراب الجميل» والغالب أنه لا بد من كم كبير من الرياضيات لكى يتم تهديم كل شيء لإتمام بناء النقصان التام فى الأشياء، وهو ضمان النقطة النهائية لتمام الحياة الدنيا بحلول ملكوت الرب.
على يد أخرى يمكننا الجمع الغريب شيئا ما بين ابن حزم الأندلسى والفيلسوفة النسائية الكبيرة «دونا هاراوي». لا بد أن هاراوى ستقول إنه على ابن حزم أن يعيد حساباته كلها، فهو كاره للنساء وعدو لهن رغم شهرته بالرومانسية المخادعة التى هى طوق للحمامة وليس للقمري. طوق يحيط بعنق المرأة (أو بقوائمها) دون عنق الرجل، وهذا وضع لم يعد مقبولا فى العصر الحديث. مسيرة دونا هاراوى الفكرية هى مسيرة ضد جوهرانية، تريد قلب القناعات التى لا نقاش فيها، تعلنها حربا على المسلمات التى لم نراجعها. ففكرة المرأة ككائن «ناقص»؛ وهو اعتبار ينتقل بسلاسة مريبة من اللغة إلى الثقافة على اللاوعي، هى فكرة تتحول إلى برنامج سياسى لا رومانسية فيه. برنامج يجعل نقص المرأة قدرا يبرر قرونا من المظالم.
كان ابن حزم يستثمر مفاهيم عصره، وقلما يلام شخص على أنه غرق فى قيم عصره السائدة- عدا حالات تبرير العنف الجماعى والقتل غير المبرر وعدا حالات التموقع الفكرى على أسس سياسية أو قبلية أو عرقية لا على الأسس العقلية-... إلا أنه كان حريصا فى كثير من المواقع على جعل العاشق جوهرا وكيانا خاليا من التوجه الجنساني. هو عاشق يدل على المرأة وعلى الرجل على حد سواء. ولذلك ربما يمكننا أن نقرأ رؤيته للعشاق على أنهم أنصاف كائنات، تبحث عن الاكتمال: «إنك لا تجد اثنين يتحابان بعشق وولع، إلا وبينهما تجانس تام وكثرة أشباه حتى التصق الجزءان، فأصبح حتى حظهما واحدا، وباتت أرواحهما متجاورة ومنجذبة كما لو كانت كالمغناطيس والحديد أو أكثر، فتصبح نفس المحب باحثة عن محبها قاصدة إليه، مشتهية لملاقاته، ومقبلة بالحديث معه دون الإحساس بالوقت».
زبدة القول
الإنصاف سبل للكمال فى نهاية الأمر، وكثير من أخطاء الحساب كانت جيلا بعد جيل سبلا لنشأة نظريات صحيحة وقوية وثورية فى الميدان العلمي. ولدينا فى تمام العدالة فكرة القسمة العادلة، فنصف الشيء تمام للعدالة أيضا؛ والكمال فى التعامل بين طرفين.
وعلى يد «الطبيعة» التى هى المشرب الأول للفلسفة قبل المشرب العقلى الذى يتم التركيز عليه كثيرا، سنجد القمر يكتمل فى منتصف الشهر. وهو القمر نفسه الذى يطل على الفقيه العبرانى وعلى العاشق الذى لا يكون مكتملا إلا وهو نصف كينونة عاشقة.
وتجمع اللغة الجميع، لكى يقول لنا مونتين: «لا تنس أن نصف كلامك بيد من يستمع إليك».

"
هل تؤيد مقترح تعديل عقوبة تعاطي الحشيش؟

هل تؤيد مقترح تعديل عقوبة تعاطي الحشيش؟