رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
محمد شاكر
محمد شاكر

مصر في عيد الفلاح

الإثنين 10/سبتمبر/2018 - 09:17 م
طباعة
جاء فلاح 9 سبتمبر 1952، وانقضت مناسبته بالأغنية الشهيرة.. بأى عيد عدت يا عيد!
اندثرت لؤلؤة الخالد محمد عبدالوهاب «ما أحلاها عيشة الفلاح» لتتحول إلى مرار ونواح.
من واجبنا أن نترحم على الفلاح الفصيح فى التاريخ القديم، وعلى العمدة الفنان المبدع إبراهيم الشامى، الذى كان يدير منظومة على الشاشة نتمنى أن نعد لها فى حياتنا، وإلى الفلاح المقهور عبدالحفيظ التطاوى وإلى روائع زينب وأمجاد محمد حسين هيكل باشا.
ما هذا الزلزال الذى شعرنا به يدمر حياتنا ويقلب معاييرها ويرفع الضغط فى عروقنا، هل يحلم شمشون بطل الأسطورة الإسرائيلية بندائه «على وعلى أعدائى يا ربي»، تحدث معنا على الطبيعة بحذافيرها.
فجأة تغيرت القرية بأنماطها ومساحتها المحصولية، وأصبح الريف (أمثولة الأمثالات) انقلبت الأوضاع على مفاهيم الإرث الحضارى الذى تواضعت قدراته فأصبح الشعار (إما تمايز بين الريف أو نفاضل معه منهج التجريف)، وفعلًا تحول الفلاح إلى سياسى يجلس على الكراسى الوتيرة وينتعش بالأفلام المثيرة.
فعلًا أصبحنا فى مواجهة صعبة مع أنفسنا، واختبار صعب مع ضمائرنا ويقظة الوطن تطالبنا أن نناقش بكل الأمانة أوضاعنا ونشعر فى نمط إستهلاكنا نقدم لمعدتنا بغير حياء إنتاجًا نعتمد فيه على غيرنا ونقدم الشكر للفلاح البرازيلى فى سد فجوة غذائنا حتى «الحبهان والمستكة» أصبحنا لا نفرق فى الاستبداد الغبى بين أصدقائنا وأعدائنا.. كل ما يهمنا فى هذه الآلية كيف نبعثر مواردنا وأموالنا، واختلت نتيجة لهذه التجربة الاقتصادية موازين المدفوعات، وتعرضنا لهذه الهجمات الشرسة على دخولنا، واشتعلت نيران الأسعار على أسواقنا، وأصبحنا فى كل اتجاه يرتفع أنيننا.
المشكلة ليست فى الدكتور على مصيلحى الذى يبذل كل ما يستطيع لكن الأمر قد يفلت منه الزمام نتيجة ضغوط لا تحمله أجسادنا، لقد خاض مع أجهزة الدولة فى القوات المسلحة معركة تحت السطح أثناء عيد الأضحى، وقال لى المصور الفنان محمود عبدالعزيز، وهو صاحب ثقافة تسويقية نادرة، ومن خلال استطلاعاته أن هذه الجهود استطاعت المنظومة أن تدخل فى موسوعتنا الاقتصادية كواحدة من أقوى حلولنا لمشكلاتنا الحيوية وأثبت كفاءة تضاف إلى رصيدنا.
القضية ليست عنصر الوفرة أو الندرة، لكن علينا أن نستعيد تجاربنا ونتحدث عن التموين، وهى وزارة تدبير احتياجات، وبدأت فكرتها مع مبدأ التحصيص فى أوائل القرن العشرين؛ فهى وزارة طوارئ ومتزامنة مع الغلاء المتزايد؛ حيث أرست قواعد إصدار البطاقة التموينية التى يتم بموجبها توزيع السلع منذ الحرب العالمية الثانية من السكر والزيت والشاى والأرز والكيروسين، وأضيفت لها الأقمشة المنتجة من (القطن السكرتو)، التى ينتجها وحدات إنتاجية لهذه المنتجات لكساء الشعب؛ فكانت تسد الفجوة بالمدن، أما الريف فكان الأقمشة الزرقاء والمعروفة وقتها هى «البفتة» و«تيل العسكرى»، ومحروم على الناس الأقمشة المتميزة، وتقوم معظم الأسر بتدبير احتياجاتها من «الفضلة» التى تباع بأسواق شهيرة، منها «باب سدرة بكرموز» وظلت الوزارة تؤدى هذا الدور بكفاءة، ومن الوزراء قبل الثورة مرسى فرحات باشا، وهو جد الوزيرة هالة السعيد وزير التخطيط الحالية، وبعد ثورة يوليو ضاعفت من السخط الشعبى على الحكم، وهو شعور النقص الواضح لديهم وارتفاع الأسعار، ولجأوا إلى البيع بالأجل باسم «الشكك»، واختار الرئيس عبدالناصر الدكتور كمال رمزى أستينو، الذى استطاع بقدرته أن يسيطر على الأسواق بمبادرات واعية، مدعومًا بقوة الثورة وبوضع خريطة علمية مع وزارة الزراعة والرى للرقى بالمستوى الاستهلاكي، ولا أكاد أغالى فى الحقيقة حين أذكر أنه كانت له قدرات إلكترونية سابقة لعصره فى أن يعرف موقع وعنوان كل مخبز، ويلتزم بسياسة دعم الفلاح فى تدبير احتياجاته التى أصبحت ذكريات بعد أن عرف الفلاح (الفينو)، فقد عرف كل سوق واستعان بكفاءات مثل على القطا ورشدى رومانو، واستثمر قدراته الدولية لبناء سلسلة صوامع، وابتكر التعامل مع المجمعات الاستهلاكية لسد الفجوة الاستيرادية؛ فأصبحت رءوس أموالها تتعدى المليارات، وتعرضت لاختبارات صعبة أدت إلى إيداع رموزها السجن منهم محمد إبراهيم فهمى وعبدالنبى وهدان، وباشرت الهيئة الموقرة للمستشار الجليل محمد الصادق رئيس محكمة جنايات الإسكندرية شئونها، وشهدت المحاكمات مرافعات، وأصدرت حكمها ببراءة المتهمين، ووقف نائب رئيس الوزراء يدلى بشهادة، فالنتيجة السياسية لهذه الشهادة، أنه فقد منصبه لكنه لم يفقد ضميره.. وقد شاركت فى هذه المرحلة التغطية المهنية مع زميل العمر الراحل علاء رفعت صاحب أحسن تغطية صحفية على الساحة التموينية فى الصحافة المصرية، رغم أنه كان يقيم فى الإسكندرية، ومن النوادر التى اقتربنا فيها من شخصية الوزير أنه كان يعلمنا دروس الحياة التى نتعامل معها؛ فإذا تحدثنا عن قضية اللحوم يشرح لنا بكل تواضع الفارق بين «الجزار والباشكار»، و«تقاوى البطاطس وزراعة المعلم عطاطس»، وتعلمنا دروس الصدمة السعرية، وكيف يجب التعامل معها لكى يصحح السوق نفسه بنفسه وتوفير الغذاء عمدًا.
وتدهورت نسبة مشاركة الزراعة من 21.6% من جملة الاستثمارات إلى 7.2% وتوقف متوسط نصيب الفرد من الغذاء على معدل نمو السكان، ففى اللحوم نجد طوفان الاستيراد الذى يستنزف مواردنا والمستهلك فى مجمع يتعرض لإذلال، وهو بحاسة الاستشعار عن بُعد إلى تسرب القطع المتميزة من اللحوم، وتسير متخفية لتتوجه إلى المطاعم ومصانع البسطرمة لتباع بأسعار فلكية، ورغم أن المصادر الحيوانية تمثل نسبة 7.7%، بينما الإنسان الفرنسى تصل إلى 38.4% والظاهرة نفسها فى حجم البروتين.
ونحن حاليًا نعيش فى الأسواق تحت مسمى «التهاب الأسعار»، ولم تعد مصر أرخص بلد فى العالم، وقضية الزراعة فى مصر تبين الخلل والعجز والفائض النسبى لم يعد يصدر بل الصادرات عن طريق (البرادات) وأباطرة الأسواق يلعبون دورًا فى هذه المعادلة، مما جعل المستهلك يلجأ إلى سلاح المقاطعة، وكشفت أسواق (أمان) هذه المنظومة فى أدوات المدارس والسلع الباقية، الفجوة هائلة ومخيفة، والموقف بصراحة أن هذا بلد فقير يسبح فى بحر الدولارات الاستيرادية، أثر فى الدورة الاقتصادية؛ فقد حاولت حكومة د. عاطف صدقى أن تجعل وزارة التموين آخر وزارة فى مصر، لكن أمام سطوة المستوردين جعلتها تخضع لهم؛ فهل يتذكر الناس فى أوائل السبعينيات حينما تحكموا فى الفول.. ووقتها قيل «إذا خلص الفول أنا مش مسئول!».

الكلمات المفتاحية

"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟