رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
محمد علي إبراهيم
محمد علي إبراهيم

حج الكبار والصعاليك!

الثلاثاء 04/سبتمبر/2018 - 10:01 م
طباعة
سألنى أصدقاء وأقارب عن السبب وراء كثافة أعداد الصحفيين الذين يحجون بيت الله الحرام! أجبتهم دينيًا لا غبار عليهم، ومسألة أن يحج بماله أو بدعوة أو نظير خدمات يقدمها أو لمنصب يشغله ففيها قولان.. لكن تاريخيًا هناك موقفان يستحقان أن نرويهما.. قبل وقفة عرفات بثمانية أيام التى وافقت ٢٠ نوفمبر ١٩٧٩ احتل جهيمان العتيبة المسجد الحرام فى عهد الملك خالد بن عبدالعزيز.. سفكت الدماء لأول مرة فى ساحة الكعبة المشرفة.. عرض الرئيس السادات المساعدة لكن الأخوة بالسعودية فضلوا قوات باكستانية وفرنسية. 
انتهت الأزمة.. ووجهت المملكة الدعوة للكتاب والصحفيين ورؤساء التحرير ليكتبوا عن أبشع عملية يتعرض لها أطهر مكان فى الأرض.. ومن يومها صارت عادة.. حتى إن أحد رؤساء مجالس الإدارات الصحفية حج ٣١ مرة ومنع صحفيًا من الكتابة لأنه تصور أنه يهاجم المملكة بينما كان المقال عن قطر. 
ثم جاءت حرب تحرير الكويت عام ١٩٩١ التى شاركت فيها مصر بإسهام مميز جدًا.. يومها فتحت السعودية باب الدعوات للجميع.. علماء الأزهر وصحفيون وفنانون وكتاب ومثقفون ونواب برلمان وسياسيون.. وسمعت فتوى من أكثر من كبير ردًا على أن الحج يفضل أن يكون بمالك.. قالوا طالما أن الله كتبها لك فلابد أن تلبي.. ما علينا.
طرائف الحج كثيرة.. عام ١٩٩٢ سأل الملك فهد الكاتب الكبير الراحل أنيس منصور هل وجدت صعوبة فى الحج هذا العام؟ فأجاب صاحب أرشق وأحلى عبارة.. الخيام مكيفة والسيارة مثلها والدليل «المطوف» يرشدنا بسلاسة.. والطعام والشراب من أفخر ما رأينا.. الحمد لله.. ويبدو أن الإجابة لم تعجب الملك.. فلابد أن تكون هناك مشقة ما.. وسأل الأمير عبدالله وكان وليًا للعهد الراحل إبراهيم نافع فلم تختلف إجابته عن إجابة منصور.
لكن ولى العهد طيب الله ثراه كان لبقًا وذكيًا فقال لهما: إن ثواب الحج يعظم كلما عظمت المشقة وإن شاء الله تكون المشقة قد ذهبت.. الوفد الصحفى المصرى الكبير اعتاد مقابلة الملك فى نهاية الحج.. وألطف ما سمعناه عن صحفى كبير معروف بغزواته النسائية أنه أجاب الملك ألا توجد وسيلة لتخفيف الزحام والتدافع وشدة الحرارة خصوصًا فى رمى الجمرات.. نحن نشعر أننا فى يوم القيامة.. ولأول مرة يبتسم الملك ويكاد يقهقه «وهل رأيت يوم الحشر حتى تصفه؟ أنت وسط أصدقائك ولا تفكر حتى فى يوم الحساب حج مبرور». 
واجتمع الصحفيون الكبار الأربعة على جبل الرحمة يدعون ويتقربون إلى الله زلفى ويقولون «ربنا إننا لم نل نصيبنا فى هذه الدنيا فاجعل لنا عندك نصيبًا من الآخرة»، وشاءت الأقدار أن يقف خلفهم صحفى شاب خرج عن شعوره قائلًا: «لما أنتم مخدتوش نصيبكم أمال أنا أعمل إيه».
الحج بالنسبة للصعاليك أمثالى له متعة أخرى.. تسمع دعاء ومناجاة بلهجات كثيرة.. لا أحد يتألم أو يشكو أو يستنكر.. البسطاء والصحفيون الذين يحجون بأموالهم لا يتأففون ولا يتألمون إذا تلقوا لكمة أو كتفًا.. نحن فى أثناء المناسك أو الطواف لا نحس.. أى والله لا شعور عندنا.. غارقون فى هذا الذى لا يوصف.. لأنه يجعلك تقهر الحر والتعب ورائحة العرق البشعة.. قوة هائلة تجعلك لا تعرف من أين جاءت تحولك إلى ريشة فى جناح طائر.. العجيب أنك تكتشف قدرات هائلة لك أهمها ضبط النفس.. أشياء خاطئة تراها ولكن لا تملك تصحيحها.. لا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج.. الذين يصلون حول الكعبة ويعترضون الطواف لا يجوز.. آخرون ينامون.. لا يصح ولكنّ كثيرين يتمنون أن تكون نومتهم الأخيرة هنا.. شيخ فى السبعين يحمل آخر فى المائة وعشرين.. الله أعفاهما من الحج.. الفرض للاستطاعتين الصحية والمادية.. والمولى يحب أن تؤتى رخصة كما تؤتى فرائضه.. لكن لا شأن لي.. الناس يجرجرون أطفالًا صغارًا يبكون وتدوسهم الأقدام.. لكن لا جدال فى الحج.
فى عرفات يتحقق الحج طالما دخلته راكبًا أو ماشيًا أو حتى نائمًا.. الصعاليك أمثالى فى سيارات غير مكيفة.. النفس البشرية هى نفسها حتى فى الحج.. لم نستطع مقاومة الحسد والحقد على أصحاب السيارات الفارهة المكيفة التى يتقدمها رجال شرطة لتسهيل المرور.. تمر بك سيارات الكبار «مدججة» بزجاجات المياه المثلجة وأنت تملك زجاجتين فقط «رشفة من تلك وتغسل رأسك بالأخرى..» يبدو التكافل عظيمًا عندما تنضب مياهك وقبل أن تعطش تجد سيارات المياه تلقى إليك الزجاجات.. أو حاجًا يعطيك ما يفيض عنه.. أتدرون لا تشعرون بقرب الله منك إلا فى هذه الرحاب الطاهرة.. كأنه يسمعك وحدك.. ويجيب دعاءك فقط.. ويخفف آلامك.. يدلك على قدرة مختزنة فى أعماقك ظهرت فجأة.. قدرة دالة على قدرته.. فعلًا خلقنا فى أحسن تقويم.. هذه القوة تنتصر على الضغط والقلب والسكر والوزن الزائد. 
من دروس جبل عرفات والمناسك إدراك أنك أقوى مما تعتقد وتأخذ زادًا يعينك على مصائب الدنيا وعلاتها وأمراضنا الاجتماعية والمهنية والوظيفية.. الأهم أنك تعود وأنت تستصغر المشاكل والعوائق وتسخر من الاسافين وتتمسك بحبال الصبر فى الزمن الصعب الذى يتجرع فيه المرء الملح الأجاج ويقنعوك أنه عذب فرات. لكن عندما تصل المسجد النبوى تدرك تمام الإدراك أنك مسير.. إذا وقفت أمام الروضة الشريفة وقلت السلام عليكم يا رسول الله سيحدث لك شيء من ثلاثة.. إما تبكى بكاءً مرًا مثلى أو تسقط مغشيًا عليك (ويقال: إن هؤلاء يرد عليهم الرسول السلام) أو تشعر أنك تركت الدنيا كلها خلفك.. كل شيء فى المسجد النبوى يحتضنك كأنه صدر أمك.. وكل صوت يتحول فى أذنيك إلى نغم.. ثم إلى شعاع.. وأنت مسند رأسك إلى حوائط المسجد النبوى تتدفق إلى مخيلتك بردة البوصيرى فى مدح الرسول وهو يقول «يا رسول الله صرنا ضعفاء.. يا رسول الله صرنا أغبياء.. يا رسول الله صرنا حقراء.. يا رسول الله صرنا مسخراء».. ويلحقك أحمد شوقى بنهج البردة التى غنتها أم كلثوم «والنفس كالطفل أن تهمله شب على حب الرضاع.. وإن تفطمه ينفطم.. والنفس من خيرها فى خير عافية والنفس من شرها فى مرتع وخم».
لا أزعم أننى من الذين يصلون الليل بالنهار صلاة ودعاء.. وألا أنا مثل والدى رحمه الله.. ولا أنا من القديسين الذين لم يقربوا الشهوات.. لكن الذى خرجت به من رحلة الحج أننى لا شيء فى هذا الكون.. لا أساوى خردلة.. العظمة والقوة لله وحده والمنعة لرسوله.

الكلمات المفتاحية

"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟