رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
فيصل الأحمر
فيصل الأحمر

الرواية العربية بين ماركس وإدوارد سعيد

السبت 01/سبتمبر/2018 - 11:11 م
طباعة
كل الوقائع المهمة، كل الأشخاص ذوى البال، وكل الأفعال ذات الرمزية العالية تتكرر على محور الزمن مرتين على الأقل؛ ترد مرة أولى على شكل تراجيدى ومرة ثانية على شكل هزلي. 
هكذا قال كارل ماركس معلقًا على ثورة ١٨٥١ التى جاء فى أعقابها الحكم الإمبراطورى للإمبراطورية الثانية، والذى سار ضد مصالح أولئك الذين حركوه...أبناء الطبقات الدنيا الذين قادوا ثورة شعبية ضد البورجوازية فانقلبت وبالاً عليهم، وهو الوضع نفسه الذى كان عام ١٧٩٩ على هامش الثورة التى صعدت بنابليون بونابرت إلى الحكم المطلق الذى محا قيم الثورة الفرنسية محوًا تامًا، فكأن الثوار قد لدغوا من الجحر نفسه مرتين دون شعور باللسعة أصلاً، وتلك مهزلة التاريخ.
تنويعات
فى أعطاف نفس الكتاب؛ «نابليون بونابرت فى الثامن عشر من شهر برومار» (١٩٥٢) يقول ماركس جملته الشهيرة عن الطبقات الدنيا: «إنهم عاجزون عن تمثيل أنفسهم، فلا بد أن يتم تمثيلهم»...
جملة ستكتسى أهمية كبيرة بالنسبة إلينا نحن الشرقيين لأنها إحدى الجمل التمهيدية لكتاب الاستشراق لإدورد سعيد.
أخط هذه الملاحظات متأملاً ظاهرة روائية غريبة تنتشر بشكل مثير للجدل دون أن يقف لديها المعلقون والكتاب وآل بيت النقد عندنا فى الجزائر؛ ظاهرة امتلاء الفضاء الروائى العربى بصور الجانب لا كمكونات بانية للجدارية التخييلية التى لا يملك أحد أن يصادر عليها، بل كمكون لا واع يصدر عما يشبه أن يكون مغارة ميتافيزيقية يختفى فيها سر أسرار التخييل العربي. 
يبدو لقارئ الرواية العربى بأن الحياة الجديرة بالعرض الروائى هى حياة يلعب فيها الأجنبى دورًا محوريًا، أو هى حياة لا تؤدى إلا من خلال العيون الأجنبية التى ينبغى أن تنظر إلى حياتنا لكى تحقق جدارة الوصف وأهلية السرد التى يرتفع بها الفلاسفة التحليليون إلى أعلى مقام من مقامات التفكير البشرى (بدءًا ببرتراند راسل واستمرارًا إلى غاية اليوم)، تبدو الحياة العربية خالية من كل ما يمكننا أن ننتبه إليه، وما يمكننا سرده للآخرين، هذا البعد التمثيلى الذى يذكره ماركس والذى يستوقف حواس إدوارد سعيد أثناء تشريح طبيعة العلاقة بين المستعمر والمستعمر (بالفتح ثم الكسر طبعًا) والذى يبدو من خلال طريقة تمثيل الروائيين عندنا للحياة المحلية ثم تمثيلهم لها (والرواية من أفضل وأنصع وأنجع الطرق لتمثيل الحياة والحقائق... بل إن الفلاسفة يتحدثون عن «الحقيقة الروائية» التى تفوق أنماط الحقيقة الأخرى بأنها أكثر تعاليًا عن المعطيات الحسية المخاتلة لأنها متغيرة بتغير الطبيعة الحسية للحقيقة؛ فى حين تبقى الحقيقة الروائية على حالها... شاهدا لا يغير شهادته على العالم، ويتغير العالم فتضل هى شاهدا على تاريخ كيانات ما)، هذا البعد التمثيلى إذن يبدو خاضعًا لسلطة تمثيلية استعمارية لا تزال سارية المفعول، بل ربما تكون قد طورت أداءها لأنه أصبح أكثر لطافة وأشد خفاء ليصبح أكثر فعالية وأخطر استحكامًا.
يمكنك أن تقف على سرود عربية مرجعية كبيرة فى الأعوام الفائتة ستجد دائمًا شخصية مختلفة الجنس والجنسية، ولغة أجنبية، أو تجد مولدًا مختلطًا لمن أحد والديه غير عربي، وستجد خريطة غريبة للأشياء تجعل حياة العربى الخالصة عروبته، وكذا أفعاله واختياراته ورؤيته للعالم تافهة صغيرة حقيرة فى مقابل ما تجده للشخصية الأجنبية. 
المسافر إلى البلدان الأجنبية فى النص العربى (وأرغب فى تعميم أحكامى على المنتوج السينمائى أيضًا) أو العائد منها، والذى له أم يهودية وأب مسلم، أو الذى أصوله تركية أو فرنسية، والمهجن سواء بالمولد أو الثقافة أو بالانبهار فقط هو دائمًا شخصية إيجابية تحيط بها شخصيات غير ذات فائدة لا تمثل قيمة دلالية مضافة.
ليس ما نفعله فى هذا المقال محاكمة بل محاولة تاس على نصوص روائية كانت تنظر إلى المكون المحلى بعين محلية هدفها وضع اليد والحرف والمعنى على حياتنا وعلى الناس عندنا حتى وإن كانوا لا يسافرون كثيرا، ولا يدخنون سجائر فاخرة، وليسوا من رواد الموضة. بل أناس بسطاء نعرفهم ونحبهم ونقرأ عنهم فنسترجعهم، ونقرأ حكايا حبهم وكرههم وحزنهم وأحلامهم وخيباتهم وما يقولونه وما يخفونه فنتعرف على ذاتنا ولا يضيرنا فى شيء أنهم كانوا يسكنون «دوارا» أو «دشرة» ويلبسون «قندورة» أو «شاشية» أو ينتعلون «گاعة» أو «قبقاب» أو «شلاكة» ويحملون الماء على ظهر الحمار كما يفعل/يسكن/يلبس/ينتعل أبطال الطاهر جاووت ومولود فرعون والطاهر وطار وبن هدوقة ونجيب محفوظ وجمال الغيطانى وإميل حبيبي...
زبدة القول
كنا نقرأ أدبا يقال عنه: قرأت رواية رائعة أعيرك إياها وردها إلى بسرعة، وهى تعابير تدل على الملكية والاستحواذ على النص، وعلى الحميمية وعلى علاقة حب بالنص، ولم يكن مهما ما نؤشر به اليوم على النصوص الكثيرة التى تفتقد إلى الروح: حاصل على جائزة، وارد ضمن القائمة الطويلة/القصيرة لجائزة كذا.
كنا نقرأ نصوصًا كان أصحابها يكتبونها لنقرأها ونتلبس بها ولا يكتبونها لكى تكتب الصحافة عنها فنشتريها ونأخذ صورة إلى جانبها يراها رواد المقهى الكونى «الفيسبوك»، ثم نؤجل قراءتها بسبب.... السبب؟
السبب يحتاج مقالاً آخر...
"
هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟

هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟