رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

كمال زاخر يكتب: في ذكرى رحيل الأب إبراهيم عبدالسيد.. حان وقت رد الاعتبار

الجمعة 31/أغسطس/2018 - 02:25 م
كمال زاخر،
كمال زاخر،
كتب : كمال زاخر
طباعة
تضافرت عوامل عدة حول تهميش الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لقرون ممتدة، بدأت بالانقطاع المعرفى التاريخى بينها وبين جذورها الآبائية ومن ثم تراثها اللاهوتى المتميز، مرتين، الأولى حين اتخذت قرارًا بهجرة اليونانية (لغة التدوين اللاهوتى) إلى القبطية (العامية المصرية آنذاك) بفعل الصراع المحتدم الذى شهده القرن الخامس مع انعقاد مجمع خلقيدونية، الذى دشن الانشطار الكبير فى الكنيسة، والثانية مع قدوم الدولة العباسية (750 ـ 1258) واستتبابها وفرضها اللغة العربية لتحلّ محل القبطية، ويتعمق الانقطاع المعرفى اللاهوتى ويتهدد بقاء الكنيسة لولا احتفاظ الكنيسة بطقسها المبدع الوعاء الشعبى لإيمانها ولاهوتها، والذى انتقل من جيل إلى جيل حتى وإن تراجع التعليم النظامى بها.
وتداهمنا رياح التنوير مع قدوم الحملة الفرنسية، وأفول الخلافة العثمانية، وبزوغ نجم محمد على وتداعيات بعثاته إلى الغرب، ثم وقوعنا تحت قبضة الاستعمار الإنجليزى، وبين هذا وذاك تعرف الإرساليات الغربية طريقها إلى مصر، وتجد الكنيسة المصرية نفسها فى مواجهة متعددة الأطراف والاتجاهات، فينتفض جهاز المناعة داخلها وتسعى لتستردّ ما فاتها، وعندما ينتصف القرن التاسع عشر تبدأ إرهاصات الخروج من النفق المظلم، مع قدوم البابا كيرلس الرابع الذى ينتبه إلى قضية التنوير ويشرع فى سنوات قليلة (1853 - 1862 م.) فى التأسيس لعصر النهضة فيستقدم فى جسارة ووعي ثانى أكبر مطبعة بعد المطابع الأميرية ويفتتح سلسلة من المدارس للبنين والبنات ـ سابقًا دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة (1899) بأكثر من ثلاثين عامًا ـ بل يؤسس مدرسة للتعليم الصناعى، وتشرع أبوابها لكل المصريين.
ومع إطلالة القرن العشرين تتأسس حركة مدارس الأحد لتعليم النشء والشباب القبطى، ومنها يتخرج الرعيل الأول من الشباب المسيحى الوطنى ويتوزع بين العمل المدنى والكنسى، وبعضه يذهب للرهبنة، ومنها إلى قيادة الكنيسة، وبعضه ينخرط فى العمل العام الاجتماعى والسياسى.
كان الشاب إبراهيم عبدالسيد واحدًا من الشباب الذين جذبتهم تجربة مدارس الأحد فى جيلها الثانى، وكان قد تخرج لتوِّه فى كلية الحقوق والتحق بإدارة الشئون القانونية بإحدى الوزارات، إلى جانب ممارسته للعمل الصحفى، ولم يقو على مقاومة نداء التفرغ لخدمة الكنيسة فيقبل الدعوة للكهنوت (1972) ليصبح الأب إبراهيم عبدالسيد راعيًا لكنيسة مارجرجس بحدائق المعادى، ويمزج بين ثقافته القانونية والأدبية فيكتب عشرات من الكتب التعليمية الدينية، يكشف فيها عن ثراء الكنيسة وعبقرية طقسها، وعمق لاهوتها.
تجرى فى نهر الكنيسة مياه كثيرة، وتتغير خارطة القيادة الكنسية بعد عديد من الخبرات المؤلمة، خاصة بعد تجربة 5 سبتمبر 1981 الأليمة، والتى شهدت عزل البابا شنودة من قِبل القيادة السياسية، واعتقاله بأحد الأديرة بصحراء وادى النطرون، تحت مسمى مخفف ومراوغ "التحفظ"، ويبقى رهن الاعتقال لما يزيد على ثلاث سنوات، ليعود إلى موقعه 7 يناير 1985، وقد تركت هذه التجربة فى نفسه جروحًا غائرة، يعود ليعيد هيكلة إدارته، فيقصى أعضاء اللجنة الخماسية التى تشكلت لإدارة الكنيسة وتسيير العلاقة بينها وبين الدولة، ويصعد بدلًا منهم شخوصًا يعتبرهم أكثر ولاء، حتى مع افتقارهم لشروط مواقعهم، وتبدأ مسيرة تعقب من يبدون تعاطفًا مع أعضاء تلك اللجنة أو مع الأب متى المسكين، الذى حاول جاهدًا أن يرأب الصدع بين السادات والبابا.
كان الأب إبراهيم عبدالسيد واحدًا من المستهدفين، خاصة أنه كان ينادى بتقنين العلاقات البينية فى الكنيسة، وتخليص الكنيسة مما علق بها من تعاليم العصور الوسيطة، وأنسنة رجال الكهنوت، ومقاومة الاستعلاء والغلو فى التعامل مع القيادات.
بدأت الحكاية بإطلاق ماكينة الشائعات ثلاثية الأبعاد، والتى تمرست دائرة الحاشية فيها، المالية والأخلاقية والعقائدية، ثم الاستدعاء للمثول أمام مَن أوكل إليه مهمة محاكمة الكهنة، دون قواعد محددة ومقننة، مع قائمة ممتدة من الاتهامات، التى تنتهى بإدانة مُعَدة سلفًا، وطلب من المتهم التوقيع على اعتراف بارتكابه ما هو منسوب إليه مشفوعًا بطلب العفو، بدأ مشوار القس إبراهيم عبدالسيد مع المحاكمة الصورية فى يوليو 1992 ولم تنته برحيله المفاجئ والملتبس عن عالمنا فى 30 أغسطس 1999. 
واللافت أنه لم يصدر بحقه حكم بالإدانة عن أي من التهم الموجهة إليه، وبقي على رتبته الكهنوتية حتى لحظة الوفاة، واستبدلوا هذا بإطلاق فريق التشويه، (والتى نعيش الآن مع طوره الإلكترونى) لينال من سمعته وأخلاقه وذمته المالية، بينما استمر الأب القس إبراهيم عبدالسيد يعلن تحديه لجلّاديه أن يخرجوا إلى الناس والرأى العام بما لديهم من أدلة ثبوت، وكتب فى كل إصدار ومطبوعة تصدر، فكان كالصداع المزمن فى أدمغة الجلادين، وعندما سُئلوا قالوا ليتقدم لنا بطلب رسمى لفتح ملفاته، لكنهم من رأفة قلوبهم ورقتها لا يريدون كشفه أمام الناس، كم بك يا دنيا من المضحكات المبكيات؟!.
لم يلتفت الرجل لضجيجهم وفحيحهم فأصدر العديد من الكتب تتناول قضايا تدبيرية وكنسية شديدة الأهمية، منها: "البدع والهرطقات خلال عشرين عامًا"، "بطل الوحدة الوطنية سرجيوس"، "المحاكمات الكنسية"، "أموال الكنيسة من أين؟ وإلى أين؟"، "المعارضة من أجل الإصلاح الكنسي"، "البطريرك القادم ممن يختار؟ ومن الذي يختاره؟ وكيف؟"، "السلطان الكنسي أبوة لا إرهاب"، "الوحدة الوطنية وحقوق الإنسان"، "متى يعود الحب المفقود في الكنيسة القبطية؟ "الرهبنة في الميزان"، "أموال الكنيسة من يدفع؟ ومن يقبض؟"، "الأحوال الشخصية.. رؤية واقعية"، "الإصلاح الكنسي عبر العصور"، "الإرهاب الكنسي".
يرحل الرجل وإمعانًا فى الخصومة واللدد فيها تصدر تعليمات مشددة بعدم الصلاة على جثمانه، ويطارَد من كنيسة إلى أخرى، حتى يدبر الله كاهنًا شجاعًا وأحد الشمامسة اللصيقين بقداسة البابا الراحل للصلاة عليه بكنيسة المدافن بأرض الجولف بمصر الجديدة.
اليوم وبعد مرور خمسة عشر عامًا على رحيله، ننتظر قرارًا تصحيحيًّا لرد الاعتبار لرجل كان صوتًا صارخًا فى البرية وكان صاحب رؤية إصلاحية واضحة، وما زالت أطروحاته صالحة ومنقذة، وإعادة الاعتبار قيمة وفعل يدركهما كل الأمناء فى الكنيسة، فما زلنا نذكر القرار الشجاع الذى اتخذه البابا كيرلس الأول (412- 444 م.) برفع الحرم عن القديس يوحنا ذهبى الفم وإعادة الاعتبار له، بل أدرجه ضمن قائمة مجمع القديسين بالقداس الإلهى. رغم أن الحرم أوقعه البابا ثيؤفيلوس خال البابا كيرلس الأول... بقي أن أذكر أن الشعار الذى كان يرفعه الأب القس إبراهيم عبدالسيد "وتعرفون الحق والحق يحرركم".
:::::::::::::::::::::::::::::::
أيها المناضل فى عصر تشوه فيه النضال، اذكر الكنيسة أمام عرش النعمة وهى تجاهد للخروج من النفق الذى كنت أحد أبرز من قاوم البقاء فيه.
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟