رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
أيمن سلامة
أيمن سلامة

مواقع الهري الاجتماعي

الأربعاء 22/أغسطس/2018 - 11:03 م
طباعة
يبدو أن كثيرًا من المصريين من رواد مواقع الانفصال الاجتماعى يعانون فراغًا واضحًا، فهم يعيشون «أون لاين» طوال الوقت، ويتابعون الأحداث أولًا بأول وعندما لا يجدون حدثًا جديدًا يخترعون هم أحداثًا حتى وإن كانت تافهة ويقومون بتصوير أنفسهم أحيانًا أو يشاركون بآراء تخلق جدلًا واسعًا ومعارك بين الناس تؤدى إلى مزيد من الانقسام المجتمعي، ولا شك أن شعوب الأمم المتحضرة لا تضيع وقتها بهذا الشكل العبثى الذى تحولنا معه إلى درجة الإدمان، وقد لا يعرف البعض أن استخدام الإنترنت لأوقات طويلة يؤدى إلى حالة من الإدمان، وبالتالى تأتى اللحظة التى لا يستطيع فيها الإنسان الابتعاد عن استخدام الإنترنت فإذا انقطع عنه لأى سبب تجده قد صار عصبيًا وغير قادر على التكيف مع المحيطين به ويظل متوترًا حتى يعود إليه الإنترنت مرة أخري، وهذا المدمن سيعانى فيما بعد من أمراض جسمانية نتيجة جلوسه الدائم لساعات طويلة وعدم بذله لأى جهد بدنى أو عضلي، وهذا الاستخدام العبثى لما يسمى بمواقع التواصل الاجتماعى يؤدى بنا إلى مزيد من التأخر وإلى إيقاف عجلة الإنتاج ليظل اعتمادنا الكلى على ما ينتجه لنا الآخرون، هؤلاء الذين يغلقون هواتفهم ويركزون فى أعمالهم فيساعدون بلادهم فى استمرار تقدمها، وهؤلاء هم الذين ينعتهم شيوخنا الأفاضل بالكفار، رغم أننا لا نستطيع الاستغناء عنهم، فهم الذين ينتجون لنا طعامنا وملابسنا وأحذيتنا وسجادة الصلاة التى نصلى عليها والمسبحة التى نستغفر بها الله تعالى عن خطايانا، باختصار هم يقدمون لنا كل شىء، ابتداءً من الإبرة وحتى الصاروخ، وهم أيضًا الذين اخترعوا تلك الهواتف الذكية وتلك الأدوات والمواقع التى ننشغل بها عن حياتنا فصارت هى كل حياتنا، وأصبح غاية كثير من رجالنا اصطياد الفتيات عبر هذه المواقع، بينما أصبح غاية بعض النساء استعراض أجسادهن والبحث عن الشهرة السريعة، أو الزواج من ميسور، ناهيك عن اختراق خصوصية أى شخص فى الوجود من خلال «الماسنجر» حيث يقوم بالاتصال بك أحد المستخدمين فإذا رفضت الرد تعرضت لأقذر الألفاظ، فلقد تحولت هذه المواقع لساحات شتائم وسباب وبث شائعات وأكاذيب وتصفية حسابات وابتزاز ووصل الأمر إلى حد التسول والنصب.
وقد أشار آخر الإحصاءات إلى أن اثنين وثلاثين مليونًا من المصريين يستخدمون شبكة الإنترنت الآن، وجميعهم بلا استثناء قد حول نفسه إلى قاض وسياسى ومفكر ومدرب كرة وإعلامى وخبير اقتصادى، وقد يصل بأحدهم أن يكتب تعريفًا لنفسه بأنه الإعلامى فلان وهو فى الحقيقة لم يزل طالبًا بالمرحلة الثانوية، وهناك من يدعى بأنه ضابط أو محام أو طبيب، ففى هذه المواقع قل عن نفسك ما شئت فكن طبيبًا كى تستقطب بعض الفتيات اللاتى يأملن فى الزواج من طبيب، ثم ضيع وقتك معهن عبر الشات وقد تتحول واحدة منهم إلى ضحية لك فترسل لك صورًا عارية لها، فتقوم بابتزازها فيما بعد وتضطر للرضوخ إليك ماليًا أو جسديًا خشية الفضيحة، وفى هذه المواقع اللعينة يتبارى الناس فى نشر الفضائح وتعويض النقص الذى يعانون منه بشتم المشاهير، وهناك من يدعى صداقته بالمشاهير ويستغل فى ذلك صورة التقطها من أحد الفنانين أو اللاعبين ليبدأ فى اختلاق الأكاذيب حول هذا الفنان أو اللاعب، وللأسف فإن معظم المواقع الآن تعتمد بشكل كبير على ما ينشر فى يوميات الناس حتى وإن كانت مجرد خرافات، وكم من جريمة ارتكبت فى حق أناس أفاضل بسبب تلك المواقع، ولعل آخر هؤلاء الدكتور محمد عبدالوهاب زوج الفنانة الراحلة فاتن حمامة الذى صدم حين طالته شائعة سخيفة بزواجه من إعلامية فتلقفته الأقلام وذبحته ذبحا حتى وافته المنية، والغريب أن جهدًا كبيرًا يبذله مستخدم هذه المواقع سواء فى الرد أو المناقشة أو فى استخدام الفوتوشوب والبرامج المختلفة لنشر أكذوبة ما، وكان من الأولى به تحويل هذه الطاقة وهذا الجهد فى عمل ينفع الناس ويدر عليه دخلًا.
والسؤال الذى لا أجد له جوابًا هو إلى متى سنظل أسرى لهذه المواقع التى يعيش عليها معظمنا منذ لحظة استيقاظه وحتى يغلبه النوم؟ لقد تحولت هذه المواقع إلى أسلوب حياة ويبدو أن المسئولين فى المجلس الوطنى للإعلام لا ينتبهون إلى التأثير السلبى الذى تخلقه هذه المواقع على المواطن، فهى تبث دائمًا الأخبار المحبطة والشائعات المغرضة وكل ما يبعث على الغضب والإحباط، فى وقت أصبح الشباب فيه لا يشاهدون القنوات التليفزونية قدر متابعتهم واستخدامهم لتلك المواقع، وبالتالى فمن الضرورى بل أصبح من الواجب فرض بعض الضوابط على هذه المواقع، تمامًا مثلما حدث فى كثير من بلدان العالم، أما أن يترك الأمر هكذا ويصبح بمقدروك أن تنشئ حسابًا باسم أى شخص مشهور وأن تشارك بآراء لا تمت له بصلة فهذا هراء، ويجب أيضًا على علماء الاجتماع مناقشة ظاهرة (الهري) فى هذه المواقع والذى ينم عن حالة الفراغ الشديد والسطحية التى يعانى منها بعض مستخدمى الإنترنت فى وطني، فهم يستمتعون بالرغى حول موضوع بعينه ويسرقون كلمات وآراء بعضهم ويكررون العبارات وينشرون ما لا يستحق نشره وقد تحولوا جميعا إلى شرفاء وأصبحوا وصاة على المجتمع، ومن المضحك أن أى موضوع لايزيد الرغى فيه عن يومين، بعدها يتم البحث عن مادة لموضوع جديد، وصدق المتنبى حين قال: يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟