رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

علي الفاتح
علي الفاتح

تعلموا الدرس من ثريا!

الأربعاء 22/أغسطس/2018 - 11:17 م
طباعة
ليست فتاة عادية بكل المقاييس قصتها تجسد حكاية الملايين من الفتيات والسيدات المصريات اللائى لولاهن لن تقوم قائمة للأسرة المصرية، ومن ثم المجتمع والدولة.
قد تبدو الحكاية روتينية من كثرة تكرارها فى حياتنا اليومية، حتى أننا اعتدناها، وصار من الأمور العادية أن نجد رجلا يتمتع بكامل صحته وعنفوان شبابه، عازف عن العمل تاركا مسئولية أسرته على زوجته الصبور على ضعفه وتخاذله والحمول لكل سخافاته، وأحيانا لتطاوله باليد واللسان.
وحتى الآن ورغم التحولات الاجتماعية الكبيرة والتغييرات الهيكلية فى بنية الاقتصاد المصري، ما زلنا نرى آلاف الشباب الذين فضلوا الجلوس على المقاهي، أو قيادة عربات «التوك توك» بدلا من السعى لتعلم حرفة أو صنعة تضمن لهم مستقبلا مستقرا، وبعضهم لا يزال يحلم بالوظيفة الميري، ومستعد لدفع آلاف الجنيهات على سبيل الرشوة للفوز بها، وآخرون يقفون فى طوابير الهجرة غير الشرعية وقد جمعوا ما يجاوز الـ100 ألف جنيه لهثا وراء أحلام الثراء الفاحش من العمل فى كنس شوارع أوروبا وغسل الصحون فى مطاعمها أو حتى التسول على قارعة طرقاتها دون أن يكون لدى أحدهم أدنى استعداد لاستثمار كل هذا المال فى مشروع صغير داخل بلده، أو البحث عن فرصة عمل مماثلة كالتى يحلم بها فى عالم ما وراء البحار، باستثناء التسول طبعا.
قائمة العلل والحجج لا تنتهى، بدءا من أن الحكومة لا توفر فرص عمل داخل دواوينها، مرورا بأن «أبويا لم ينفق على تعليمى عشان أشتغل سباك أو ميكانيكى أو نجار»، ووصولا إلى أن حال البلد واقف ومفيهاش شغل.
ثريا لم تجد فى كل تلك الحجج مبررا كافيا لتقبع فى بيت والدها راضية بالمقسوم، رغم أنه الخيار الأسهل، فثقافة مجتمعها الريفى فى مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية لا تحتفى كثيرا بخروج المرآة إلى العمل، خاصة إذا كانت لا تزال بنتا بكرا تعيش فى كنف والدها، بل وتعتبر من العيب كل العيب أن تخرج فتاة باحثة عن رزقها طالما أنها تعيش تحت مظلة رجل سواء كان هذا الرجل الأب أو الأخ أو الزوج، مع ملاحظة أن هذه الثقافة سائدة، رغم أن واقع الحال يقول بعكس ذلك تماما، فبينما يتفاخر الرجل بقوامته وأفضليته وذكوريته فى العلن يخفى أن المرآة هى معينه الحقيقى على ظروف الحياة وأحيانا من ينفق عليه، بل وحتى على «سجائره»، ومع ذلك تفضل المرأة أن تكون الجندى المجهول، ليحتفظ الرجل بهيبة شاربه.
تخرجت فى أحد المعاهد العليا لدراسة علوم الحاسب الآلي، قبل ما يزيد عن عشر سنوات، لكنها أدركت أن مقتضيات سوق العمل قد اختلفت، أغلب الظن لن تنجح فى الحصول على وظيفة تناسب مؤهلها داخل منيا القمح مدينتها الصغيرة.
تنتمىلأسرة متوسطة الحال، تسمع عن مفعول الوساطة والمحسوبية للتوظيف داخل الدوائر الحكومية، لكنها لا تعرف سبيلا للواسطة، فمن ذا الذى يسدى خدمة كبيرة كهذه لأسرة بسيطة لن يستفيد منها شيئا، وهى أيضا لا تملك المال الكافى لدفعه على سبيل الرشوة لتوظيف أبنائها.
لا تزال القاهرة مركز الجذب لسكان الأقاليم الباحثين عن فرصة عمل، لكن ترى ما هى تلك الفرصة التى تناسب ثريا؟!.
خمسون جنيها كانت رأس المال الذى بدأت به مشوار الصعود، اتجهت إلى شارع الموسكى هناك دفعت الـ50 جنيهًا عربونا لأحد تجار الجملة مقابل حصولها على بضاعة بسيطة من الإكسسوارات الحريمى وأشياء من هذا القبيل لتقف كبائعة متجولة على أرصفة الموسكي.
تجاوزت مضايقات من سبقوها إلى الرصيف ومحاولاتهم لفرض إتاوة عليها مقابل السماح بوقوفها ببضاعتها.
الخمسون جنيها زادت مع الوقت، وتمكنت من إدخار مبلغ لشراء مستلزمات زواجها كأى عروس تساهم فى بناء بيت الزوجية المرتقب.
جاء العريس لتترك ثريا عملها، فقد أصبحت ربة منزل، وهناك رجل مسئول عنها، لكنه رحل سريعا إلى بارئه بعد عام بالتمام والكمال تاركا لها رضيعا لم يتجاوز عمره بضعة أسابيع، دون إرث تركن إليه أو حتى معاش وظيفة.
أمام ثريا خياران إما العودة لبيت والدها ليتحمل مسؤليتها وابنها الرضيع راضية بقليل القليل، وإما أن تعود لعملها.
الخيار الثانى كان قرارها وبدأت صعود درجات السلم من جديد بائعة على رصيف الموسكي، لم تفكر ثريا فى الانفلات الأمنى الذى عاشته البلاد عقب أحداث يناير 2011، فهى تأتى من منيا القمح يوميا ولا تعود إلا فى المساء مع موعد القطار، ربما لو فكرت لما قد تتعرض إليه بسبب الانفلات الأمنى لما خرجت من منزلها.
الأمر بالنسبة لها كان مجرد كلام فارغ وحجج بطالة للخايب الكسلان بالضبط مثل حجة «البلد مفيهاش شغل».
مع الوقت تطورت تجارة ثريا ودخلت عالم الملابس وبدأت تستعين بالتكنولوجيا الحديثة فاعتمدت على التسويق الإلكترونى للترويج لبضاعتها، وحتى تصبح تاجرة جملة كبيرة وتصدر بضائع للآخرين، إلى العراق والأردن أخذت دورات تدريبية مكثفة فى التسويق عبر شبكة الإنترنت.
لم تكتف بذلك، بل قالت لنفسها لماذا لا أكون أنا الصانع؟! فهرولت إلى مركز شباب منيا القمح، حيث تنعقد دورة تدريبية لتصميم الأزياء، سرعان ما شربت الصنعة وبدأت تصمم الأزياء، وتتعاون مع مصانع للملابس لتنتج إبداعاتها.
مع الوقت دخلت ثريا مجال الملابس كمصممة أزياء مميزة وشريكة فىالصناعة، فها هى اليوم تتشارك مع أحدهم فى مصنع للملابس بأحد أحياء القاهرة مع احتفاظها بكونها تاجرة جملة تصدر بضاعتها وبضائع الآخرين إلى داخل وخارج مصر.
من مدخراتها فازت بشقة تمليك بمركز منيا القمح لتكون مسكنا آمنا ومستقرا لـ«مروان» طفلها الذى تخطط لإلحاقه بإحدى مدارس اللغات الخاصة، وهى فوق ذلك تعول أسرتها.
حكاية ثريا لم تنته ولا تزال تأتى إلى القاهرة من منيا القمح يوميا تتابع مصنعها الصغير وتجارتها حتى ساعات الصباح الأولى أملا فى تحقيق حلمها كسيدة أعمال بدأت سلم الصعود بـ50 جنيها مصريا فقط لا غير.

الكلمات المفتاحية

"
هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟

هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟