رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

محمود صلاح يكتب: مأساة امرأة كانت ملكة (7-12)

الأربعاء 15/أغسطس/2018 - 09:44 م
الملك فاروق والملكه
الملك فاروق والملكه ناريمان
طباعة
كان المشهد مأساويًا دراميًا داخل قصر عابدين. ما كاد حلم الملك فاروق بأن تنجب له ناريمان ولى العهد المنتظر، وسط رد فعل فاتر من الشعب، وخلال مأدبة أقامها فاروق لرجال البوليس بعد مشاركتهم فى الاحتفال، حتى شب حريق القاهرة! وتصور فاروق والقاهرة تحترق أن هناك مؤامرة ضده. وأصدر أوامره للحرس الملكى بالدفاع عن قصر عابدين، وارتدى فاروق، ولم تمضِ سوى أيام تخللتها احتفالات عسكرية قام بها الجيش بناء على تعليمات احتفالًا بالمناسبة الملكية، ملابس الحرب وتمنطق بمسدس كبير.
كانت ناريمان وعمها مصطفى صادق إلى جواره، عندما فكر فاروق فجأة فى فكرة إحضار طائرة هليوكوبتر إلى قصر عابدين للهروب بها!
ويروى مصطفى صادق، عم الملكة ناريمان، ما حدث فى تلك اللحظات، فيقول: «قال لى فاروق بعد أن قام بجولة تفقد فيها رجال الحرس فى مواقعهم داخل القصر: اتصل يا مصطفى بالمطار. وخليهم يبعتوا لنا طيارة هليوكوبتر.. يمكن نحتاج لها!».
ويقول عم الملكة: وأدركت أن الملك يتأهب للهروب من قصر عابدين!
لكن قائد الأسراب الجوية حسن عاكف لم يكن موجودًا فى القاهرة، وكان فاروق قد أرسله فى مهمة إلى أثينا. وكان الطيار مدكور أبوالعز يتولى مكانه.
- واتصل عم الملكة به، وقال له: الملك عايز طيارة هليوكوبتر تيجى بسرعة قصر عابدين.
■ رد مدكور أبوالعز، قائلًا: «يا خبر اسود.. ده مستحيل.. الطيارتين الهليوكوبتر اللى عندنا فى التصليح وغير صالحتين للطيران!».
- سأله عم الملكة: وأقول للملك إيه؟
■ قال له مدكور أبوالعز: وحياتك يا مصطفى.. حاول تفهمه الحكاية بهدوء.. وقول له مستحيل نبعت له الطيارة اللى هو عاوزها..
وأسقط فى يد عم الملكة.. وذهب إلى الملك فاروق يبلغه الأمر. 
■ فقال له فاروق: كان لازم عاكف يطمئن على الطيارتين قبل ما يسافر.
- رد على عم ناريمان: المهم نشوف حل.
قال له فاروق: حل إيه يا سى مصطفى.. الظاهر أن إحنا وقعنا خلاص!
■ ■ ■
وكان يوم حريق القاهرة أصعب الأيام التى عاشها الملك فاروق حتى تلك اللحظة.
شعر فاروق باليأس، وظن أن نهايته قد حانت!
ووجد نفسه وحيدًا فى القصر والعاصمة تحترق والحشود الغاضبة تجوب شوارعها فى ثورة. لم يجد أحدًا حوله من مستشاريه ورجال حاشيته. فقد كان إلياس أندراوس قد ذهب فى اليوم السابق إلى الإسكندرية للاشتراك فى تشييع جنازة سليمان قاسم. وكان إنطوان بوللى فى إيطاليا.
ولم يجد فاروق حلًا سوى اللجوء إلى الجيش!
وأصدر أوامره للفريق حيدر بأن يتدخل الجيش المصرى. وينزل شوارع القاهرة.
وأراد مصصطفى صادق عم الملكة أن يخرج من القصر ليرى ما يحدث فى الشوارع.. لكن ناريمان تشبثت به.
- وقالت له: مستحيل يا أونكل تنزل.. إنت عاوزهم يموتوك.
■ قال لها عمها: ما تخافيش.. أنا نازل وجاى بسرعة!
ونزل مصطفى صادق إلى ميدان عابدين ليرى آثار الحريق. فشاهد منظرًا عجيبًا. مقهى بلدى احترق نصفه. وفى النصف الثانى كان بعض رواد المقهى يلعبون الطاولة!
ولم يستطع عم الملكة أن يذهب إلى أبعد من ميدان عابدين. وعاد إلى القصر بسرعة.
لكن الجيش استطاع السيطرة فى النهاية على الموقف فى القاهرة!
وفى تلك الليلة لم يغمض للملك فاروق جفن. ولم يذق طعم النوم دقيقة واحدة!
لكن فاروق لم يتعظ!
كان قد أصدر قرار تشكيل وزارة جديدة بعد حريق القاهرة برئاسة على ماهر. لكنه عاد إلى سيرته الأولى فى السهر كل ليلة والعربدة. وكان يسهر فى نادى السيارات. وبعث يطلب من بوللى الحضور بسرعة. وبعد حضور بوللى بأيام. وصلت إلى القاهرة حسناء إيطالية خصيصًا للملك فاروق استحوذت عليه تمامًا. وأصبح يقضى معها كل سهراته!
ووصل الخبر إلى الملكة ناريمان..
- لكن عمها نصحها بالتزام الصمت، قائلًا: ولا كلمة واحدة.. وكأنك لا شفتى ولا سمعتى!
وفى هذا الجزء من مذكراته يروى مصطفى صادق عم الملكة ناريمان حكاية مثيرة عن هدية ثمينة عبارة عن سيارة «كاديلاك». لم يدفع ثمنها من جيبه الخاص! 
ويقول مصطفى صادق إن فاروق أيام شهر العسل. كان قد وعد ناريمان إذا أنجبت له ولدًا بأن يهديها سيارة من طراز «كاديلاك».
■ وقال لها: ومش كده وبس.. حا أجيب لك عقد زمرد.. بس شدى حيلك وجيبى الولد!
وأنجبت ناريمان ولى العهد، لكن فاروق لم يفِ بوعده.
- فقال لها عمها: كلميه أول ما تشوفيه واسأليه عن الهدية!
وبالفعل سألت ناريمان الملك وذكرته بوعده لها بهديته السيارة.
■ فقال لها: بكره تكون العربية عندك.
- قالت له ناريمان: والعقد الزمرد؟
لم يرد فاروق، لكنه فى اليوم التالى حضر إليها. وكانت مريضة فى فراشها!
■ وقال لها: تعالِ أوريكِ العربية وحمل فاروق ناريمان بمساعدة عمها على كرسى. ونقلاها إلى جدار النافذة لتشاهد السيارة تقف فى فناء القصر.
وأعجبت السيارة ناريمان، لكن مفارقات القدر أنها لم تركبها مرة واحدة. وظلت فى جراج القصر حتى قامت الثورة. وغادر فاروق البلاد بلا رجعة!
لكن الأغرب أنه تبين فيما بعد أن فاروق لم يشترِ هذه السيارة من جيبه الخاص بل اشتراها من مخصصات القصور الملكية.. أى من ميزانية الدولة!
أما عقد الزمرد فكانت ناريمان كلما تحدثت عنه مع فاروق..
■ كان يقول لها: حاضر.. بس استنى شوية!
وكان يقول لها إنه كلف الجواهرجى أحمد نجيب بأن يبحث لها عن عقد ثمين يليق بها. وحاولت أمها «أصيلة هانم» ذات يوم أن تتأكد من ذلك فتحدثت مع أحمد نجيب لكن تبين أنه لم يكن يعلم شيئًا. وكانت المفاجأة أن أحمد نجيب بعد أيام ذهب إلى فاروق، وهو يحمل عقدًا من الزمرد.
- وقال للملك وهو يستأذن فى أن يقدمه هدية للملكة. فى يوم ما اتجوزتم يا أفندم. كان لازم أقدم للملكة حاجة!
وأخذ الملك فاروق يقلب العقد بين يديه..
■ ثم قال للجواهرجى: يا سيدى متشكرين خالص!
وذهب فاروق ليقدم العقد إلى ناريمان..
هدية من الجواهرجى!
■ ■ ■
كان مصطفى صادق عم ناريمان قريبًا من فاروق ومما يحدث داخل القصر..
ولقد رسم فى مذكراته صورة الملك فاروق كما رآه وعرفه.. فقال:
كان فاروق شخصية عجيبة..
كان يعانى من الكثير من مركبات النقص!
ولم يكن يحب أحدًا ممن حوله. كان يكرههم جميعًا من صميم قلبه. ولم يكن يشعر إلا بجانب من العطف على الإيطاليين وحدهم من بين كل الجنسيات. ربما كانت ملازمة إنطوان بوللى له وراء هذا العطف!
وكان فاروق يكره أى شخص يحاول أن يرفع رأسه أو يحافظ على كرامته أمامه.
وبسبب مركبات النقص هذه عند فاروق كانت حياة ناريمان معه جحيمًا لا ينتهى!
وقد تأزمت الأمور بينهما بشدة فى الفترة التى سبقت ثورة ٢٣ يوليو.
وذات يوم على ظهر الباخرة المحروسة..
كان الجميع يشربون الشاى..
■ وفجأة قال الملك لعم ناريمان: إنت تاخد ناريمان تروحها.. وأنا رايح أسهر!
لكن ناريمان أصرت على أن تسهر مع فاروق..
ونشبت مشادة حامية أمام الخدم والسفرجية..
■ وصاح فيها فاروق: إنت حاتفضلى لزقة لى.. يا شيخة روحى جاكى داهية!
- ردت ناريمان، وهى تبكى: إنت وحش.. ومستحيل أعيش معاك دقيقة واحدة!
وأصرت ناريمان فى تلك اللحظة ولأول مرة على طلب الطلاق.
كان ذلك فى يونيو ١٩٥٢.. أى قبل ثورة يوليو بشهر واحد!
وكانت أزمة بين فاروق وناريمان استمرت عشرة أيام. رغم تدخل أمها «أصيلة هانم» وعمها مصطفى صادق.
ورفضت ناريمان أن تتحدث مع فاروق بكلمة واحدة!
وحاول فاروق أن يسترضيها، لكنها ظلت على موقفها. وأصرت على أن يعتذر لها الملك أمام الخدم والسفرجية.
■ لكن فاروق رفض، وقال: أنا أعتذر؟ مستحيل.. أنا عمرى ما اعتذرت لأحد!
لكن ناريمان تنازلت أخيرًا عن موقفها..
وقبلت أن يعتذر لها الملك فى حجرة النوم!
ودون أن يسمع اعتذاره أحد!
■ ■ ■
ويقول مصطفى صادق فى مذكراته:
إنه بعد حريق القاهرة وفى الشهور التى سبقت الثورة. تصور فاروق أنه فعل شيئًا. وأنه تغلب على العاصفة التى كادت تجتاحه مع الحريق. ولم يحاول إصلاح نفسه أو الكف عن فساده. واندفع يجرى وراء شهوته وملذاته..
كانت الشهور الأخيرة للملك فاروق..
وكان يسهر للعب القمار فى نادى السيارات كل ليلة حتى الفجر..
وذات ليلة حاول إلهامى حسين أن ينصحه..
- وقال له: إيه الرأى لو كنا ننقل اللعب.. ونخليه فى البيوت؟
■ ثار الملك فاروق فى وجهه، قائلًا: نلعب فى البيوت إزاى.. أنا النادى اتعودت عليه.. ومستحيل أسيبه وألعب فى حتة تانية!
وحاول إلهامى حسين أن يفهم الملك أن الكلام تزايد وسط الناس والشائعات تملأ الدنيا حول الملك. لكن فاروق قاطعه بتأفف.
■ وقال له: خلى الناس تقول اللى هى عاوزاه.. المهم أنا حالعب فى النادى.
وكانوا يجلسون فى صالون النادى. وفى هذه اللحظة نهض فاروق متجهًا نحو حجرة لعب القمار.
■ وقال لإلهامى حسين: يلا يا راجل نلعب.. بلاش خوف!
ثم يروى مصطفى صادق فى مذكراته واقعة أخرى مثيرة.. فيقول:
ذات ليلة تسلل بعض الشبان وملأوا حوائط قصر عابدين من ناحية الشارع بشتائم صريحة ضد الملك. وكانت بعضها تقول «يسقط فاروق ابن الـ..........»! وهى شتيمة تشير إلى تصرفات والدته الملكة نازلى فى أمريكا.
وأصيب المسئولون فى قصر عابدين بالذعر. وتخيلوا أن الملك حين يعلم بذلك سيعاقب كل رجال الحرس الملكى، الذين كانوا فى نوبة الحراسة. وحين حمل ضابط الياوران إشارة سرية إلى الملك، وكان فى قصر القبة..
■ وقرأ الملك الإشارة ثم قال للضابط: اضرب إشارة لعابدين.. وشوف كان مكتوب إيه على الحيطان!
وذهب الضابط وعاد بعد دقائق فى حالة خوف. وهو حائر لا يدرى ماذا يقول للملك، وهل ينقل إليه نص العبارات البذيئة؟
وجاء لى الضابط ليقول إن الكلام وسخ، ولا يستطيع أن يردده أمام الملك.
- فعدت إلى الملك، وقلت له: الجماعة فى عابدين خايفين يقولوا إيه المكتوب على الحيطان. الظاهر إنه كلام وسخ خالص! 
■ قال فاروق: وسخ مش وسخ.. يالا بينا أنا رايح عابدين أشوف الحكاية إيه!
وانطلق الملك إلى قصر عابدين..
وتوقف أمام العبارة التى تسيء إلى أمه!
وأخذ يدقق فيها..
وفجأة انفجر فى الضحك..
■ ثم قال: هم جابوا حاجة من عندهم.. تستاهل!
هكذا كان فاروق شخصية عجيبة. كان يمتلئ بالحقد والكراهية لأمه الملكة نازلى. وكان يكرهها من كل قلبه. ولهذا أعجبته الشتائم التى كتبت ضدها على حوائط قصر عابدين!
■ وقال: خلوا الكلام ده زى ما هو.. عشان تعرف الناس بيقولوا عليها إيه!
وبقيت الشتائم أسبوعًا على الحائط.. حتى تدخل بعض أفراد الحاشية وأقنعوا فاروق بإزالتها!
■ ■ ■
ويستمر مصطفى صادق عم الملكة ناريمان فى انتقاد نواحٍى شخصية الملك فاروق فى مذكراته، فيقول:
لم يعرف فاروق الولاء لأحد..
ولم يكن له صديق أو صاحب كما يقول المثل البلدى.
وقد عشت بجواره فى تجربة مثيرة فى الأشهر القلائل التى سبقت الثورة.
كان أنانيًا إلى أقصى حد..
وكان واقعًا تحت سيطرة عناصر الفساد فى حاشيته..
وقد رأيته وهو يحاول أن يطعن الفريق حيدر فى ظهره!
وكان الفريق قد حاول أن ينصح الملك لكن فاروق لم يستمع إليه. وقرر أن يتخلص منه!
وكان يريد إبعاده عن الجيش. حتى يفسح الطريق لحاشيته الخصوصية بالتدخل فى شئون الجيش.
وفى شهر مارس ١٩٥٢..
اتصل بى الفريق حيدر فى مكتبى فى شركة الطيران، وطلب منى أن أذهب للقائه فى الحال.
- وعندما ذهبت قال لي: إيه يا سيدى حكاية محمد حسن.. ما له وما لنا؟
■ قلت له: حكاية إيه يا باشا؟
- قال: تصور الرجل ده حيودى البلد فى داهية؟ دخل فى دماغ الملك حكاية تعيين حسين فريد رئيسًا لهيئة أركان الجيش.. دى حكاية بطالة خالص!
وكان محمد حسن هو خادم الملك!
"
هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟

هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟