رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

يوميات "الحركة المُباركة".. "23 يوليو" من مذكرات محمد نجيـب والإذاعي فهمي عمر

الجمعة 27/يوليه/2018 - 08:24 م
محمد نجيـب وجمال
محمد نجيـب وجمال عبد الناصر
أحمد صوان
طباعة
في صباح الأربعاء 23 يوليو 1952 ذهب الإذاعي فهمي عمر إلى عمله المُعتاد بهيئة الإذاعة المصرية ليجد قوات الجيش تحيط بالمبنى وتتواجد بأروقته، وعندما أكمل طريقه نحو الاستوديوهات وجد مجموعة من الضباط باستراحة المذيعين، لم يعرفهم عمر، لكنه ميّز من بينهم أنور السادات الضابط المعروف، والذي كان حديث الشعب بأكمله بعد تورطه في العديد من القضايا السياسية أبرزها عملية اغتيال أمين باشا عثمان وزير المالية في حكومة الوفد، لم تكن بينهما معرفة شخصية، لكنه أدرك أن وجود شخصية مثل السادات في هذا الوقت المُبكر تعني شيئًا غير مألوف.
روى الإذاعي الوحيد الذي شهد أحداث ذلك اليوم أن السادات قال له "سنذيع بيانات عبر الإذاعة للشعب اليوم"، طلب منه عمر أن يقوم بإذاعة البيان باعتباره المذيع المتواجد بالمبنى ولكنه رفض وقال "لأ.. الضباط هي اللي هتذيع البيان"؛ هكذا بدأت الإذاعة المصرية يومها ببث موسيقى مارش عسكري في تمام السادسة ونصف صباحا، وذلك كان من المعتاد أن يحدث كل يوم ثُم تمت مخاطبة الشعب "إليكم أولى النشرات الإخبارية" وقام السادات بإذاعة بيان الثورة باسم اللواء أركان حرب محمد نجيب في أول خبر بالنشرة بالإذاعة بعد العبارة الشهيرة "هنا القاهرة"؛ بعد البيان، ووفقًا لرواية الإذاعي الكبير ، تم قطع الإرسال عن الإذاعة من أبو زعبل عندما أمر الملك بانقطاعه، ثم عاد الإرسال في السابعة ونصف صباحًا، بعدما ذهبت قوة من الجيش إلى أبو زعبل واستطاعوا إعادة الإرسال مرة أخرى.
البيان الأول الذي عرف العالم من خلاله بقيام الجيش بزعزعة عرش آخر أحفاد أسرة محمد علي، تلته العديد من البيانات التي شكّلت الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر؛ وفي الذكرى السادسة والستين لإعلان البيان، تعود "البوابة" لتصفح يوميات "الحركة المُباركة" كما أُطلق عليها في البداية، والتي تحول اسمها فيما بعد إلى "ثورة يوليو".
26 يوليو 1952:
كان تحرك الجيش قد أتّم ثلاثة أيام، كان الارتباك سائدًا في القصر الملكي، فلم يكن أحد يعلم كيف ومتى سينتهي الموقف، وكانت حركة الضباط التي يرأسها اللواء محمد نجيب قد سيطرت تمامًا على مجريات الأمور في مصر كلها. صباح ذلك اليوم أرسل اللواء نجيب خطابًا إلى الملك فاروق، يدعوه فيها للتنازل عن الحُكم رضوخًا لأمر الشعب، ومنحه مُهلة حتى الثانية عشرة ظهرًا من نفس اليوم.
طلب الملك فاروق من رئيس وزارته على ماهر باشا، كتابة وثيقة للتنازل عن العرش لكنه طلب أن تكون الصياغة محافِظة على كرامته كملك، فطمأنه ماهر مؤكدًا ذلك، وعُهد إلى الدكتور عبد الرازق السنهوري، الفقيه الدستوري الشهير وأحد أعلام القانون -والذي صار رئيسًا لمجلس الدولة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر- صياغتها، فجاء الأمر الملكي رقم 65 لسنة 1952:
"نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان.. لما كنا نتطلب الخير دائمًا لأمتنا ونبتغي سعادتها ورقيها، ولما كنا نرغب رغبة أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة، ونزولًا على إرادة الشعب؛ قررنا النزول عن العرش لولي عهدنا الأمير أحمد فؤاد وأعهدنا أمرنا بهذا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع على ماهر باشا رئيس مجلس الوزراء للعمل بمقتضاه."
كان هذا الأمر الملكيّ آخر ما صدر عن الملك فاروق في قصر رأس التين بالإسكندرية، الذي غادر في مساء نفس اليوم الساعة السادسة والثُلث على ظهر يخت المحروسة هو وعائلته، وكان في وداعه أعضاء حركة الضباط الأحرار وتم إطلاق 21 طلقة مدفعيّة كتحية أخيرة، يروي الرئيس الراحل محمد نجيب في مذكراته "جئت متأخرًا لوداع الملك بسبب ازدحام الطريق، وكانت المحروسة في عرض البحر، فأخذت لنشًا حربيًّا دار بنا دورة كاملة كما تقتضي التقاليد البحرية وصعدت للمحروسة وكان الملك ينتظرني، أديت له التحية فرد عليها، ثم سادت لحظة صمت بددتها قائلاً للملك: لعلك تذكر أنني كنت الضابط الوحيد الذي قدم استقالته من الجيش عقب حادث 4 فبراير 1942 احتجاجًا، فرد الملك: نعم أذكر. 
قلت له: حينئذٍ كنت مستعدًّا أن أضحي برزقي وبرقبتي في سبيلك، ولكن ها أنت ترى اليوم أنني نفسي أقف على رأس الجيش ضدك. فرد فاروق: "إن الجيش ليس ملكي وإنما هو ملك مصر، ومصر وطني، وإذا كان الجيش قد رأى أن في نزولي عن العرش ما يحقق لمصر الخير، فإنني أتمنى لها هذا"؛ وقال: "أنتم سبقتموني بما فعلتموه فيما كنت أريد أن أفعله. إن مهمتك صعبة جدًّا، فليس من السهل حكم مصر. وكانت هذه آخر كلماته".

2 أغسطس 1952:
شهد هذا اليوم الأسس القانونية التي انتقل بها الحكم من الملك فاروق إلى مجلس قيادة الحركة، حيث صدر مرسوم بقانون رقم 121 لسنة 1952، بتعديل أحكام الأمر الملكي الصادر سنة 1922، الخاص بوضع نظام لتوارث عرش المملكة المصرية، والذي أرسله الملك فؤاد الأول في 13 أبريل 1922 إلى عبد الخالق ثروت باشا، رئيس الوزراء آنذاك، حيث أضيفت مادة 11 مكرر جاء نصها "في حالة نزول الملك عن العرش وانتقال ولاية الملك إلى خلف قاصر يجوز لمجلس الوزراء إذا كان مجلس النواب منحلاً أن يُعيّن وصياً مؤقتاً للعرش أو هيئة وصاية مؤقتة للعرش من ثلاثة يختارهم من بين الطبقات المنصوص عليها في المادة 10 تتوافر فيهم الشروط المبيّنة فيها. ويتولّى الوصي المؤقت أو هيئة الوصاية المؤقتة بعد حلف اليمين أمام مجلس الوزراء سلطة الملك إلى أن تتولاها هيئة الوصاية الدائمة وفقاً لأحكام المواد الثلاث السابقة ولأحكام المادة 51 من الدستور".
في اليوم نفسه، أصدر مجلس الوزراء، برئاسة علي باشا ماهر، قرارًا بتأليف هيئة وصاية مؤقتة على عرش الملك الطفل أحمد فؤاد، والتي تكوّنت من الأمير محمد عبد المنعم، والقائمقام محمد رشاد مهنى، والدكتور محمد بهي الدين بركات، تتولى سلطة الملك إلى أن تتولاها هيئة الوصاية الدائمة. وقد وّقع القرار كل من رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة بوظائفهم وأسمائهم. 
واستكمالًا لقرارات اليوم، أعلن مجلس الوزراء أمر رقم 68 لسنة 1952 بإلغاء الرتب المدنية، حيث ألغى الأمر الملكي رقم 3 لسنة 1922، واستبدل بالمادة 9 من الأمر الملكي رقم 23 لسنة 1936، بشأن إنشاء قلادة فؤاد الأول "يتقدم الحائز للقلادة على من عدا الأمراء والنبلاء ورئيس مجلس الوزراء"، وجاء في المادة الثالثة من القرار أن يُلقّب رؤساء مجلس الوزراء العاملون والسابقون بلقب "الرئيس".

7 سبتمبر 1952:
كان لابد للحركة من أن تتولى شؤون الحكم بشكل مباشر، لكن القانون ودستور 1923 الذي كانت البلاد لا تزال تعمل به آنذاك -حيث كانت مصر مملكة نيابية دستورية- كانا يُحتّما أن يصدر القرار بذلك من الملك الجديد، والذي كان لايزال تحت وصاية المجلس الثلاثي المؤقت الذي تم تشكيله. 
هكذا صدر الأمر الملكي رقم 10 لسنة 1952، الصادر بقصر عابدين وموّقع من هيئة الوصاية، بإسناد رياسة الوزارة إلى قائد الحركة اللواء محمد نجيب، والذي جاء فيه:
"حضرة الرئيس اللواء أركان الحرب محمد نجيب
أن توفير الرفاهية لأفراد الشعب كافة هي أعز رغبات البلاد، وأعظم ما تتجه إليه أمانيها.
ووطننا العزيز، اليوم، في حاجة ماسة لإقامة بنيانه على أسس سليمة راسخة، ودعائم إصلاحية موطدة، تتجه معها قواه نحو العمل الحق والتعبير الصحيح عما يخالج الضمائر من مطامح نحو تحقيق العدل والرفاهية للبلاد.
وأن الحركة المباركة، التي حملتم لواءها، إنما تعبر عن آمال تركزت حولها قلوب الشعب الكريم، وباتت عنواناً لعهد جديد تتحقق فيه العدالة الاجتماعية على أكمل وجه.
لذلك رأينا تحميلكم أمانة الحكم، وإسناد رياسة مجلس الوزراء إليكم، لتقوموا بتلك المسئوليات الجسام، حتى تنعم البلاد وشيكا بحياة نيابية، خالصة من الشوائب. وقد أصدرنا أمرنا هذا إليكم، للأخذ في تأليف هيئة الوزارة، وعرض المشروع علينا لصدور مرسومنا به.
نسأل الله جلت قدرته أن يكلأنا بعين رعايته، ويوفقنا جميعاً إلى ما نرجوه للوطن العزيز من رفعة وإسعاد".

9 سبتمبر 1952:
بدأ مجلس قيادة الحركة في إعادة تنظيم الحياة السياسية المصرية، بعدما كانت الأحزاب واحدة من أسباب قيام الحركة، وكانت البلاد وقتها تتكون من أربع مجموعات من الأحزاب مصنفة وفقًا لتبعيتها، أولها الأحزاب الليبرالية متمثلة في الوفد والأحزاب المنشقة عنه، وهي الأحرار الدستوريين والحزب السعدي والكتلة الوفدية، وثانيهما أحزاب القصر وهما حزبي الشعب والاتحاد، والمجموعة الثالثة تتضمن الأحزاب والجماعات الدينية ومنها جماعة الإخوان وحزب الإخاء وحزب الإصلاح الإسلامي؛ والمجموعة الرابعة من فئة الأحزاب المصنفة بالتوجه الاشتراكي، وتضم مصر الفتاة، والعمال الاشتراكي، والشيوعي المصري، والفلاح المصري، والحركة الديمقراطية.

يروي الرئيس محمد نجيب في كتابه "كنت رئيسًا لمصر"، إنه في مساء يوم 8 سبتمبر اجتمع مجلس الوزراء في أول اجتماع له برئاسته، واستمر الاجتماع من الساعة السادسة مساء حتى الثالثة بعد منتصف الليل، وفي إثر انتهاء الاجتماع أعلن ناطق رسمي أن مجلس الوزراء أقرّ فجر يوم 9 سبتمبر قانوني تحديد الملكية الزراعية وتنظيم الأحزاب السياسية.
صدر مرسوم القانون رقم 179 لسنة 1952 بشأن تنظيم الأحزاب السياسية باقتراح من وزير الداخلية السابق سليمان حافظ، الذي كان وكيلًا لمجلس الدولة ورئيسًا لقسم التشريع آنذاك، وعارضه عبدالرازق السنهوري معارضة شديدة، وكانت حجة سليمان حافظ تمثلت في أن الأحزاب فسدت بما أفسد المعنى الحقيقي للديموقراطية البرلمانية واستطاع حافظ إقناع السنهوري بذلك حتى اضطر إلى إقرار المشروع.
ونص القانون على أن تصادر أموال تلك الأحزاب، وإعلان مرحلة انتقالية تمتد لثلاث سنوات، وتبع القانون قرار بأن من يرغب في تكوين حزب سياسي عليه أن يخطر وزير الداخلية بخطاب رسمي يتضمن نظام الحزب ويتدخل القانون في تحديد طريقة اختيار الرئيس ومجلس الإدارة، وأجاز القانون لوزير الداخلية أن يعترض على تكوين الحزب لمخالفته حكم من أحكام القانون، وأن تفصل محكمة القضاء الإداري في الاعتراض على وجه الاستعجال إلى آخر القانون.

10 ديسمبر 1952:
يعرف التاريخ ذلك اليوم بأنه شهد سقوط أول دساتير مصر في القرن العشرين، حيث صدر الإعلان الدستوري من اللواء محمد نجيب، والذي جاء وصفه بـ"القائد العام للقوات المسلحة وقائد ثورة الجيش"، ليُعلن فيه سقوط دستور 1923، والشروع في تأليف لجنة لوضع دستور جديد، وهو الدستور الثوري الذي صدر فيما بعد.
وجاء نص الإعلان:
بني وطني
عندما قام الجيش بثورته في 23 يوليه الماضي، كانت البلاد قد وصلت الى حال من الفساد والانحلال أدى اليه تحكم ملك مستهتر وقيام حياة سياسية معيبة وحكم نيابي غير سليم، فبدلاً من أن تكون السلطة التنفيذية مسؤولة أمام البرلمان، كان البرلمان في مختلف العهود هو الخاضع لتلك السلطة التي كانت بدورها تخضع لملك غير مسؤول، ولقد كان ذلك يتخذ من الدستور مطية لأهوائه ويجد فيه من الثغرات ما يمكنه من ذلك بمعاونة أولئك الذين كانوا يقومون بحكم البلاد ويصرفون أمورها، من أجل ذلك قامت الثورة ولم يكن هدفها مجرد التخلص من ذلك الملك، وإنما تستهدف الوصول بالبلاد إلى ما هو أسمى مقصداً، وأبعد مدى، وأبقى على مر الزمان، من توفير أسباب الحياة القوية الكريمة التي ترتكز على دعائم الحرية والعدالة والنظام حتى ينصرف أبناء الشعب الى العمل المنتج لخير الوطن وبنيه، والآن بعد أن بدأت حركة البناء وشملت كل مرافق الحياة في البلاد، سياسية واقتصادية واجتماعية أصبح لزماً أن نغير الأوضاع التي كانت تؤدي بالبلاد، والتي كان يسندها تلك الدستور المليء بالثغرات، ولكي نؤدي الأمانة التي وضعها الله في أعناقنا لا مناص من أن نستبدل تلك الدستور، دستوراً آخر جديداً يمكن للأمة أن تصل إلى أهدافها حتى أن تكون بحق مصدراً للسلطات.
وهأنذا أعلن باسم الشعب سقوط ذلك الدستور، دستور سنة 1923
وأنه ليسعدني أن أعلن في نفس الوقت الى بني وطني أن الحكومة آخذة في تأليف لجنة تضع مشروع دستور جديد، يقره الشعب، ويكون مترهاً عن عيوب الدستور الزائل محققاً لآمال الأمة في حكم نيابي نظيف سليم، وإلى أن يتم إعداد هذا الدستور، نتولى السلطات في فترة الانتقال التي لابد منها حكومة عاهدت الله والوطن على أن ترعى مصالح المواطنين جميعاً دون تفريق أو تمييز، مراعية في ذلك المبادئ الدستورية الهامة.
بني وطني
لقد عاهدنا الله، وهو على ما نقول شهيد، على أن نبذل نفوسنا في سبيل إسعاد بلادنا وإعلاء رايتها بين العالمين، فعليكم أن تنسوا أشخاصكم، وأن تبذلوا من أنفسكم وأموالكم وجهودكم ما يضمن لوطنكم القوة والسعادة والمجد، متحدين متكاتفين، فلا مصالح شخصية ولا أهواء حزبية بعد اليوم، فالوطن واحد، والهدف واحد، والله ولي التوفيق".

18 يناير 1953:
قرر مجلس قيادة الثورة، مع مطلع العام الجديد، إنهاء وجود الأحزاب السياسية التي اعتبرها وبالًا على مصر، فصدر في ذلك اليوم مرسوم بقانون رقم 37 لسنة 1953 بشأن حل الأحزاب السياسية وحظر تكوين أحزاب جديدة؛ وقد شمل المرسوم نفسه استثناء جماعة الإخوان المسلمين، والتي كان قادتها في ذلك الوقت على وفاق مع مجلس قيادة الثورة الوليدة وداعمين لها، من تطبيق هذا القانون.
المرسوم الذي صدر باسم ملك مصر والسودان عبر وصّي العرش المؤقت، شمل في مواده على أن تؤول أموال الأحزاب إلى الجهات التي يُحددها مجلس الوزراء، وحظر النشاط الحزبي على أعضاء الأحزاب المنحلة أو تقديم العون لهم في ممارسة أي نشاط، وكذلك إلغاء مرسوم القانون رقم 179 لسنة 1952.

18 يونيو 1953:
في ذلك اليوم وجّه مجلس قيادة الحركة أعنف نقد إلى أسرة محمد علي، عبر إصدار إعلان دستوري يتضمن إلغاء الحكم الملكي وإعلان الجمهورية جاء فيه "إن تاريخ أسرة محمد علي كان سلسلة من الخيانات التي ارتكبت في حق هذا الشعب، وكان من أولى هذه الخيانات إغراق إسماعيل في ملذاته، وإغراق البلاد بالتالي في ديون عرضت سمعتها وماليتها للخراب، حتى كان ذلك سببًا تعللت به الدول الاستعمارية للنفوذ إلى أرض هذا الوادي الآمن الأمين، ثم جاء توفيق فأتم هذه الصورة من الخيانة السافرة في سبيل محافظته على عرشه، فدخلت جيوش الاحتلال مصر لتحمي الغريب على العرش الذي استنجد بأعداء البلاد على أهلها، وفاق فاروق كل من سبقوه من هذه الشجرة، فأثرى وفجر، وطغى وتجبر وكفر، فخط لنفسه نهايته ومصيره، فآن للبلاد أن تتحرر من كل أثر من آثار العبودية التي فرضت عليها نتيجة هذه الأوضاع".
وأكمل الإعلان "نعلن اليوم باسم الشعب إلغاء النظام الملكي وحكم أسرة محمد علي مع إلغاء الألقاب من أفراد هذه الأسرة؛ ثانيًا إعلان الجمهورية وتولي الرئيس اللواء أركان حرب محمد نجيب، قائد الثورة، رئاسة الجمهورية مع احتفاظه بسلطاته الحالية في ظل الدستور المؤقت الصادر في 10 فبراير 1953؛ ثالثًا يستر هذا النظام طوال فترة الانتقال، ويكون للشعب الكلمة الأخيرة في تحديد نوع الجمهورية، واختيار شخص الرئيس عند إقرار الدستور الجديد". يروي الرئيس الراحل محمد نجيب أنه عندما قابل الأمير محمد عبد المنعم، الوصي على العرش الملكي، ليبلغه بخبر إلغاء الملكية وتحول مصر إلى الجمهورية بكى الأمير عبدالمنعم وهو يسمع الكلمة الأخيرة في حكم أسرة محمد علي.
في اليوم ذاته، أصدر نجيب قرارًا جمهوريًا بتعيين الصاغ أركان حرب محمد عبدالحكيم عامر، قائدًا عامًا للقوات المسلحة، ويمنح رتبة اللواء، وتعيين سليمان حافظ، مستشارًا قانونيًا، لرئيس الجمهورية بمرتب ثلاثة آلاف جنيه في العام؛ كذلك تقرر تعديل التشكيل الوزاري، حيث أصبح البكباشي جمال عبد الناصر نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للداخلية، وأصبح عبد اللطيف البغدادي وزيرًا للحربية، وتم تعيين صلاح سالم وزيرًا للإرشاد القومي ووزيرًا للدولة لشؤون السودان.
وكان من الطبيعي أن ينتقل نجيب إلى قصر عابدين لممارسة مهام منصبه، لكنه رفض وفضل البقاء في منزله بحلمية الزيتون ويقول في مذكراته "رغم أن بيتي لا يليق بأن يكون بيتًا لرئيس الجمهورية ورغم بعده عن قلب العاصمة فقد فضلت البقاء فيه لكي أقنع الآخرين بالتقشف وإعطاء المثل لهم"؛ وأضاف "عندما قالوا لي إن مرتب رئيس الجمهورية ستة آلاف جنيه في العام، أي خمسمائة جنيه في الشهر، عرضت التنازل عن نصف المرتب طوال فترة الرئاسة نظرًا لما تتطلبه الدولة من أموال تستدعيها المشروعات الجديدة".
15 سبتمبر 1953:
أعلن اللواء محمد نجيب في خطبة له بمؤتمر شعبي عقد في ميدان الجمهورية قرار مجلس قيادة الثورة بتشكيل محكمة الثورة لمحاكمة بعض السياسيين القدامى، وهو القرار الذي صدر موّقعًا من أعضاء مجلس القيادة في اليوم التالي؛ وشكلت محكمة الثورة برئاسة قائد الجناح عبد اللطيف البغدادي وعضوية البكباشي أنور السادات وقائد الأسراب حسن إبراهيم؛ وانعقدت المحكمة في مبنى قيادة الثورة بالجزيرة، وبدأت عقد أولى جلساتها يوم السبت 26 سبتمبر.
جاءت المحكمة لمعاقبة المتورطين في جرائم سياسية، وفساد مالي، واستغلال نفوذ، وعنف ديني، حيث لم تتوافر نصوص قانونية في قانون العقوبات لتجريم هذه الممارسات، وبدأت في نظر قضايا تخص قيادات ورموز النظام الملكي السابق، ثم انتقلت تدريجيًا لتشمل شخصيات من داخل مجلس قيادة الثورة تم اتهامها بالسعي للانقلاب عليه، كما شملت خصوم سياسيين من تيارات أخرى دخلت في مواجهة مع مجلس قيادة الثورة مثل جماعة الإخوان المسلمين التي كانت أول من وصف الضباط الأحرار بـ"الحركة المُباركة"، ثم انقلبوا عليهم.
نُظرت أمام المحكمة عدد من القضايا منها قضية "خيانة أمانة الحكم" بإخضاع حزب الأغلبية لرغبات القصر والإنجليز، وهي القضية التي تم فيها الحكم على فؤاد باشا سراج الدين، وإبراهيم فرج بالسجن لمدة 15 عامًا ومصادرة ممتلكاتهم؛ وقضية الاتصال بجهات أجنبية للإضرار بمصالح البلاد، والتي حوكم فيها كريم ثابت وحكم عليه بالمؤبد؛ وقضية ترويج دعاية مسيئة للثورة، وهي القضية التي تم فيها محاكمة الصحفيان حسين أبو الفتح ومحمد أبو الفتح، وحكم على الأول بالسجن 15 سنة، فيما حكم على الثاني غيابيًا بالسجن 10 سنوات. 
وقد نظرت المحكمة بـ"عين الرأفة" لبعض الشخصيات التي حوكمت أمامها، كالسيدة زينب الوكيل زوجة رئيس الوزراء الأسبق مصطفي النحاس باشا، والتي كانت تضارب في القطن، وقد أعفتها المحكمة من السجن تكريمًا لمسيرة زوجها الزعيم الوفدي الكبير.

14 يناير 1954:
صدر قرار مجلس قيادة الثورة بحل جماعة الإخوان المسلمين، والذي جاء في نصه: "قرر مجلس قيادة الثورة حل جماعة الإخوان المسلمين وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين حزبًا سياسيًا ويطبق عليها أمر مجلس قيادة الثورة بحل الأحزاب السياسية". 
وجاء في المذكرة التفسيرية التي صدرت مرفقة بالبيان أن "بدأت الثورة فعلا بتوحيد الصفوف إلى أن حلت الأحزاب ولم تحل الإخوان إبقاء عليهم وأملا فيهم وانتظارا لجهودهم وجهادهم في معركة التحرير ولأنهم لم يتلوثوا بمطامع الحكم كما تلوثت الأحزاب السياسية الأخرى ولأن لهم رسالة دينية تعين علي اصلاح الخلل وتهذيب النفوس. ولكن نفرا من الصفوف الأولي في هيئة الاخوان أرادوا أن يسخروا هذه الهيئة لمنافع شخصية واطماع ذاتية مستغلين سلطان الدين على النفوس وبراءة وحماسة الشبان المسلمين ولم يكونوا في هذا مخلصين لوطن أو لدين".
وأوضحت المذكرة المنشورة مع الأمر بالحل أنه "أثبت تسلسل الحوادث ان هذا النفر من الطامعين استغلوا هيئة الاخوان والنظم التي تقوم عليها هذه الهيئة لإحداث انقلاب في نظام الحكم القائم تحت ستار الدين"، وسردت مجموعة من الحوادث بين الثورة وهيئة الاخوان، منها ما تم بين البكباشي جمال عبدالناصر ومرشد الإخوان حول تأييد الجماعة للثورة، والحديث عن قوانين الإصلاح الزراعي، وإعادة التحقيق في مقتل حسن البنا، والعفو عن المعتقلين والمسجونين السياسيين وفي مقدمتهم الاخوان بمجرد تولي الرئيس نجيب رئاسة الوزارة؛ وكذلك ما ثبت لرجال الثورة أن هناك اتصالا بين بعض الإخوان المحيطين بالمرشد وبين الانجليز، وما ثبت لإدارة المخابرات ان خطة الاخوان قد تحولت لبث نشاطها داخل قوات الجيش والبوليس.
واختتمت المذكرة بـ"لن تسمح الثورة أن تتكرر في مصر مأساة باسم الدين ولن تسمح لأحد أن يتلاعب بمصائر هذا البلد بشهوات خاصة مهما كانت دعواها ولا أن يستغل الدين في خدمة الأغراض والشهوات".

25 فبراير 1954:
أصدر مجلس قيادة الثورة بيانًا حول أسباب الخلاف بين أعضاء المجلس والرئيس محمد نجيب، حيث أعلن المجلس قبول استقالة نجيب وتعيين البكباشي جمال عبد الناصر رئيسًا لمجلس الوزراء، وإعلان منصب رئيس الجمهورية شاغرًا، حيث أدلي الصاغ صلاح سالم، بتصريحات خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد بمقر مجلس القيادة بحضور مندوبي الصحف ووكالات الأنباء العالمية، عن أسباب قبول استقالة أول رئيس لمصر.
وقال سالم إن المشكلة الحقيقية التي نشأت منذ أمد طويل بين مجلس الثورة -الذي يتكون من أحد عشر عضواً بينهم نجيب- تنحصر في موضوع السلطات "ولا يُعقل مطلقاً أن يقبل المجلس مجتمعًا أن يوكل سلطة مطلقة لفرد أو لعضو من أعضائه"، حسب قوله.
وتابع سالم "وإذ أن هذا النظام المعمول به منذ أمد طويل قبل قيام الثورة، صمام الأمن الوحيد للبلاد ولا يمكن لفرد وحده أن يضمن هو نفسه كل تصرفاته فقد يكون الشخص واقعا تحت تأثير السلطة المؤثرات التي لا يشعر بها، ويكون لها أثر بعيد في قراراته، ولذلك كان توزيع السلطة علي المجلس مجتمعا هو ما ذكرت صمام الأمن الوحيد لهذه البلاد"، وقال "أماننا وأمان البلاد في عدم تمكن فرد بسلطة مطلقة ومن جهة أخري لا يعقل أن يتصور إنسان أن رأيا يجمع عليه أحد عشر فردا يكون خاطئا أمام رأي فرد واحد مخالف".

27 فبراير 1954:
في أعقاب تظاهرات شعبية رفضت الإطاحة باللواء محمد نجيب، أصدر مجلس قيادة الثورة أمرًا بعودة نجيب رئيسًا للجمهورية، والتي جاء وصفها في الأمر بـ"جمهورية مصر البرلمانية"، ففي أعقاب إذاعة بيان إقالته على الملأ خرجت الجماهير تحتج عليه، وانهالت البرقيات على المجلس ودور الصحف ترفض الاستقالة، واندلعت المظاهرات التلقائية في القاهرة والأقاليم لمدة ثلاثة أيام تؤيد نجيب، وكانت الجماهير تهتف "محمد نجيب أو الثورة" وفي السودان اندلعت مظاهرات جارفة تهتف "لا وحدة بلا نجيب"، وانقسم الجيش بين مؤيد لعودة محمد نجيب وإقرار الحياة النيابية وبين المناصرين لمجلس قيادة الثورة. 
أشرفت البلاد علي حرب أهلية وتداركًا للموقف أصدر مجلس القيادة بيانا الساعة السادسة من مساء 27 فبراير 1954 جاء فيه "حفاظا علي وحدة الأمة يعلن مجلس قيادة الثورة عودة محمد نجيب رئيسا للجمهورية وقد وافق سيادته علي ذلك"، وعاد نجيب مجدداً إلى منصبه كرئيس للجمهورية؛ أما الأمر الرسمي فقد صدر مُقتضبًا من مادة وحيدة بتوقيع رئيس مجلس قيادة الثورة البكباشي جمال عبد الناصر وأعضاء مجلس القيادة هي "عُيّن السيد اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيسًا لجمهورية مصر البرلمانية".

5 مارس 1954:
في هذا اليوم قرر مجلس قيادة الثورة اتخاذ الإجراءات لعقد جمعية تأسيسية تنتخب عن طريق الاقتراع العام المُباشر ، تجتمع خلال يوليو 1954، وتختص بـ"مناقشة مشروع الدستور الجديد"، و"القيام بمهمة البرلمان إلى الوقت الذي يتم فيه عقد البرلمان الجديد وفقًا لأحكام الدستور الذي ستقره الجمعية التأسيسية".
وأضاف القرار أن المجلس قرر إلغاء الأحكام العرفية قبل إجراء الانتخابات للجمعية التأسيسية بشهر، وكذلك إلغاء الرقابة على الصحافة والنشر بداية من اليوم التالي لإعلان القرار بالجريدة الرسمية، فيما عدا الشؤون الخاصة بالدفاع الوطني.

8 مارس 1954:
قرر مجلس قيادة الثورة تعيين اللواء محمد نجيب، رئيساً لمجلس قيادة الثورة، ورئيساً لمجلس الوزراء، بعد أن تنحى جمال عبدالناصر عن رئاسة الوزارة. وعاد نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، واستفاضت الأنباء عن قرب صدور قانون الانتخاب للجمعية التأسيسية.
وشمل تشكيل الحكومة الجديد الذي صدر في اليوم نفسه رئيس الوزارة محمد نجيب، ونائب رئيس الوزارة جمال عبد الناصر، المواصلات جمال سالم، المالية والاقتصاد عبد الجليل العمري، الصحة العمومية نور الدين طراف، العدل وشئون رئاسة الجمهورية أحمد حسني، الأوقاف أحمد حسن الباقوري، الدولة فتحي رضوان، الخارجية محمود فوزي، الشئون العامة محمد حلمي بهجت، المعارف العمومية عباس مصطفى عمار، الشئون البلدية والقروية وليم سليم حنا، الزراعة عبد الرازق صدقي، الحربية عبد اللطيف بغدادي، الإرشاد القومي والدولة لشئون السودان صلاح سالم، الأشغال العمومية أحمد عبده الشرباصي، الداخلية زكريا محيي الدين، الشئون الاجتماعية كمال الدين حسين، التجارة والصناعة والتموين حسن أحمد بغدادي، وزير دولة للشئون المالية والاقتصادية علي الجريتلي.

25 مارس 1954:
في محاولة لإنهاء الأزمة، اتخذ مجلس قيادة الثورة حزمة من القرارات بهدف إنهاء الأزمة المشتعلة منذ الخلاف بين الرئيس نجيب ومجلس القيادة؛ وكانت القرارات التي اتخذت هي السماح بقيام أحزاب، وأن مجلس قيادة الثورة لا يؤلف حزباً، ولا حرمان من الحقوق السياسية حتي لا يكون هناك تأثير علي حرية الانتخابات، كما تنتخب الجمعية التأسيسية انتخابا حرا مباشرا، وتكون لها السيادة التامة والسلطة الكاملة، وتكون لها سلطة البرلمان كاملة، وتكون الانتخابات حرة، إضافة إلى حل مجلس قيادة الثورة يوم 24 يوليو 1954 باعتبار الثورة قد انتهت، وتسلم البلاد لممثلي الأمة، وانتخاب الجمعية التأسيسية رئيس الجمهورية بمجرد انعقادها .

27 يوليو 1954:
أعلن البكباشي جمال عبد الناصر، رئيس مجلس قيادة الثورة، إلى المواطنين، جلاء قوات الاحتلال البريطاني، بعد أكثر من سبعين عامًا من الاحتلال؛ حيث وقع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا بحيث يتم الجلاء على مراحل، كما تم الاتفاق عما يتبع حيال القاعدة البريطانية في القناة، وقد تمت المرحلة الأولى من الجلاء في 18 فبراير عام 1955، و الثانية في 16 يونيو 1955، والثالثة في 25 مارس 1956، وفي 18 يونيو 1956، وتم جلاء آخر جندي بريطاني عن أرض مصر، ورفع العلم المصري لأول مرة على مبنى البحرية البريطانية في ذلك الوقت ببورسعيد.
وجاء في البيان "وقعنا الآن بالأحرف الأولى اتفاقا ینهي الاحتلال وینظم عملیة جلاء القوات البريطانية عن أرض مصر الخالدة وبذلك خلصت أرض الوطن لأبنائه شریفة عزیزة منیعة".

14 نوفمبر 1954:
كان ذلك اليوم نهاية قاصمة لأزمة اللواء نجيب مع أعضاء مجلس قيادة الثورة، حيث أعلن المجلس قراره في مادتين بإعفاء محمد نجيب من جميع المناصب التي يشغلها، وبقاء منصب رئيس الجمهورية شاغرًا، واستمرار المجلس بقيادة جمال عبد الناصر.
وفي 17 نوفمبر قرر المجلس، في قرار يحوي مادة وحيدة، بتخويل مجلس الوزراء بكافة سلطات رئيس الجمهورية.
"
هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟

هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟