رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

توفيق زياد.. شاعر الناصرة

الخميس 05/يوليه/2018 - 06:00 ص
توفيق زياد
توفيق زياد
حسام الحداد
طباعة
أناديكم.. 
أشد على أياديكم..
وأبوس الأرض تحت نعالكم.. 
وأقول: أفديكم
وأهديكم ضيا عيني.. 
ودفء القلب أعطيكم.. 
فمأساتي التي أحيا.. نصيبي من مآسيكم.

من قلب الغضب والمأساة أتى.. من أرض الجرح الذي ما زال ينزف، ذهب مثل الذين ذهبوا في انتظار الحلم، إنه توفيق زياد شاعر الناصرة، الذي تمر اليوم 5 يوليو ذكرى وفاته نتيجة حادث طريق مروع وقع في مثل هذا اليوم عام 1994 وهو في طريقه الى الناصرة بعد استقبال الزعيم الراحل ياسر عرفات عائدًا إلى أريحا بعد اتفاقية أوسلو.
ولم يكن توفيق زياد شاعرًا عاديا، يُحلِّق في الفضاء، بل كان ينحت الكلمات من الواقع، ومن آلام شعبه، فمنذ إصدار مجموعته الشعرية الأولى في أوائل خمسينيات القرن الماضي وهو يتبنى الأحداث المحلية والعالمية، فكان همه الأول والأخير الانسان، وكان كثير الاهتمام بالفولكلور فكان يعد المادة الخام لأعماله الشعرية، وأصدر توفيق زياد عددًا من المجموعات الشعرية "أشدّ على أياديكم 1966، ادفنوا موتاكم وانهضوا 1969، أغنيات الثورة والغضب 1969، أم درمان المنجل والسيف والنغم 1970، شيوعيون 1970، كلمات مقاتلة 1970، عمان في 1971، تَهليلة الموت والشهادة 1972، سجناء الحرية وقصائد أخرى ممنوعة 1973، السّكر المُر، بأسناني".
ويعد توفيق زياد أحد أهم الأصوات الشعرية المعاصرة القادمة من فلسطين 48، وأهم دعامات الشعر الفلسطيني، له صوته المتميز وخصوصيته التي تحيط به هالة من العطاء المتجدد والمثير، واللافت لانتباه القراء والنقاد على السواء روعة تجربته الإبداعية فمن منا لا يحفظ قصيدته الخالدة أناديكم والتي صدرنا بها هذه الكلمة، بكلماتها البسيطة والمعبرة عن قوة وجدان شاعرنا، والتي أطلقها زفرة من صدر مليء بالحقد والألم فاذا بها حفرت مجراها في صدور الأمة من الخليج إلى المحيط.
ربما كانت تلك الفترة تحتاج لمثل هذه القصائد لإلهاب المشاعر وتدفق نهر الحماسة في عروق المناضلين، إلا أنه سرعان ما تغير الواقع العربي تغيرا موجعا، وهائلا، وأصبح ذلك المناخ الواهي والمريض المحكوم بملابسات معتمة وموحشة، تجعل من الصعوبة استدعاء ذلك المغني الثائر الجميل، لكن ربما تأتي لحظة ما تعيد الوعي العربي لصوابه، والروح العربية لأصالتها والوجدان العربي لنشوة مغناه، وإذا كانت "أناديكم.." هي الملحمة الخالدة، فإن قصيدة "هنا باقون" من حالات النهوض الستيني الماثل للعيان على امتداده التاريخي، هبة أخرى من ذلك المغني الثائر والملهم والذي يقول فيها:
كأننا عشرون مستحيل
في اللد، والرملة، والجليل
هنا.. على صدوركم، باقون كالجدار
وفي حلوقكم
كقطعة الزجاج، كالصبار
وفي عيونكم
زوبعة من نار
هنا.. على صدوركم، باقون كالجدار
نجوع.. نعرى.. نتحدى
ننشد الأشعار
ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات
ونملأ السجون كبرياء
ونصنع الأطفال.. جيلا ثائرا.. وراء جيل
كأننا عشرون مستحيل

لنلاحظ كم هي مقيتة مفردة "السجون" وقبيحة ودالة على الاستعباد والاستبداد، والظلم والطغيان، ومع ذلك فإن مهارة الشاعر غيرت المجرى التاريخي للمفردة "نملأ السجون كبرياء" وما نظن مفردة أخرى تحل محل "كبرياء" لأنها التضاد المطلق للعبودية، وهي الكلمة الأقدر في محلها أن تكون محطمة لكلمة السجون، هكذا كان توفيق زياد ينحت كلماته من الوجع والألم والكبرياء.
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟