رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
العرب

مصالحة "كير" و"مشار" اتفاق بناء جنوب السودان.. تهدف إلى إعادة النظر في الترتيبات الأمنية.. بناء قوات وطنية.. تشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات عامة

الأحد 01/يوليه/2018 - 09:59 م
البوابة نيوز
كتبت- آية عبدالعزيز
طباعة
اتهم الرئيس «سيلفا كير» نائبه «رياك مشار» بالتخطيط للانقلاب عليه نتيجة إعلانه الرغبة فى الترشح؛ وعليه فقد تنامت النزاعات والصراعات الداخلية التى أودت بحياة الآلاف من شعب جوبا، وتشريد ما يقرب من أربعة ملايين شخص. 
تلعب القيادة السياسية الإثيوبية دورًا بارزًا فى منطقة القرن الأفريقى بعد فترة طويلة من الانعزال عن الدوائر الإقليمية وأزماتها الداخلية، لتسوق لنفسها أمام القوى الكبرى بأنها حليف استراتيجى قوى يمكن الاعتماد عليه.
تشهد دولة جنوب السودان حالة من التهدئة الحذرة على غرار إعلان اتفاق السلام الذى تم بين الحكومة الوطنية والمعارضة بعد سنوات من الإضراب الداخلى، الذى شهدته الدولة الوليدة منذ انفصالها بشكل رسمى فى ٢٠١١، علاوة على ما واجهته من حراك سياسى مضطرب فى ديسمبر ٢٠١٣، عندما اتهم الرئيس «سيلفا كير» نائبه «رياك مشار» بالتخطيط للانقلاب عليه نتيجة إعلانه الرغبة فى الترشح؛ وعليه فقد تنامت النزاعات والصراعات الداخلية التى أودت بحياة الآلاف من شعب جوبا، وتشريد ما يقرب من أربعة ملايين شخص. 
لذا يمثل الاتفاق بين الرئيس «كير» مع زعيم المعارضة «مشار» يوم ٢٧ يونيو ٢٠١٨ على وقف إطلاق النار، فرصة ثانية لعودة الاستقرار لجوبا، وتمهيدًا للتوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين لإنهاء حالة عدم الاستقرار السياسى الذى تشهده البلاد منذ ٢٠١١، والذى بموجبه سيتم إعادة النظر فى الترتيبات الأمنية داخل الدولة لبناء قوات وطنية من الجيش والشرطة بعيدًا عن النزعات الإثنية أو القبلية، فضلًا عن تشكيل حكومة انتقالية خلال ٤ أشهر، تحكم البلاد لمدة ثلاث سنوات، وخلال تلك الفترة التى تمثل مرحلة انتقالية سيتم خلالها الاستعداد لإجراء انتخابات عامة يشارك فيهاجميع القوى السياسية الداخلية دون استثناء.
كما وقع الجانبان ما يعرف باسم «إعلان الخرطوم» فى العاصمة السودانية «الخرطوم» بحضور الرئيس السودانى عمر البشير؛ القاضى بترتيب وقف إطلاق النار، علاوة على فصل القوات القريبة من بعضها، وسحب جميع القوات الأجنبية الموالية للقوى المتصارعة، وفك الاشتباك، مع فتح ممرات إنسانية للتعامل مع الحالات الطارئة، والإفراج عن أسرى الحرب والمعتقلين السياسيين. كما سيسمح الاتفاق بنشر عناصر من الهيئة الحكومية للتنمية فى شرق أفريقيا (إيجاد) لمراقبة وقف إطلاق النار.
المشهد الداخلى
جاء هذا الاتفاق كبادرة أمل لتهدئة الأوضاع الداخلية فى دولة جنوب السودان، التى عانت حالة من الفوضى وعدم الاستقرار منذ انفصالها عن دولة السودان، نتيجة تنامى الولاءات الفرعية على حساب الولاء للدولة الوطنية، وجاءت أبرز تجليات هذا الصراع بين الحكومة وقوات المعارضة، وعليه بدأت قوات وميليشيات جديدة فى الصعود مثل «جبهة الإنقاذ الوطني» بقيادة النائب السابق لرئيس الأركان، مما أدى إلى تنامى الفاعلين من غير الدول، وانتشار العنف والإرهاب الأمر الذى انعكس بشكل كبير على الداخل على النحو التالي: - انتهاك حقوق الإنسان؛ قامت القوات المتحاربة بانتهاكات فى مجال الحقوق والحريات بما يتجاوز قواعد القانون الدولى وحقوق الإنسان، تجسدت فى استهداف المدنيين على أساس عنصرى، أو وفقًا للولاءات السياسية، بالإضافة إلى انتشار عمليات النهب والتدمير للمؤسسات العامة. 
- الحرب بالوكالة؛ سعت الأطراف الداخلية باستعانة بعض القوى العسكرية غير الرسمية، للمواجهة فى الصراع الدائر تمثل فى مساعدة ميليشيات «دينكا بادانغ» للقوات الحكومية لشن هجمات متتالية على الأراضى التى تحتلها قوات «الشيلك» المعارضة فى الضفة الغربية للنيل الأبيض. فضلًا عن مهاجمة بعض المدن والقرى، كما أودى القتال فى المنطقة الاستوائية إلى مقتل العشرات من المدنيين. 
- انهيار الأمن الإنساني؛ ساهمت بيئة الحرب إلى تقويض العاملون فى المجال الإنسانى فى التصدى لسد احتياجات الشعب من الغذاء والأدوية، وإيواء بعض حالات الطوارئ، مما أدى إلى انتشار المجاعات فى بعض المناطق، بالإضافة إلى معاناة ما يقرب من ٤.٨ مليون شخص، أى نصف عدد السكان تقريبًا، من سوء الأوضاع الإنسانية والاجتماعية. بجانب الإجراءات التعسفية التى فرضتها الحكومة على الأقاليم الاستوائية للسيطرة على الأهالي.
- تنامى أعداد النازحين؛ مع تزايد حدة العنف والنزاع بين الأطراف الداخلية فى ديسمبر ٢٠١٣، فقد نزح أكثر من ٣.٩ مليون شخص، منهم ١.٩ مليون منهم نازح داخلي، فضلًا عن لجوء أكثر من ٢٠٠ ألف شخص للعيش فى مراكز خاصة بالأمم المتحدة، تحت حماية أفراد حفظ السلام التابعين للبعثة. فيما نزح خلال عام ٢٠١٧ أكثر من ٦٤٠ ألف شخص خارج أراضى جنوب السودان، وعليه فقد بلغ عدد اللاجئين من جنوب السودان إلى أكثر من ٢ مليون لاجئ. 
تفاهمات هشة
لم يكن اتفاق وقف إطلاق النار جديدًا على الفرقاء السودانيين، ولكنه جاء فى سياق الجهود لتسوية الأوضاع الداخلية، فقد سبقه اتفاق السلام فى ٢٠١٥ بين الرئيس «كير» ونائبه «مشار» لمنح منصب نائب الرئيس لزعيم المعارضة المسلحة، وتشكيل لجنة للمصالحة ومحكمة لجرائم الحرب بالتعاون مع الاتحاد الأفريقى، تمهيدًا لإجراء الانتخابات العامة فى عام ٢٠١٨. 
فى المقابل تغادر جميع القوات الأجنبية المشاركة فى الحرب، وإخلاء جوبا من قوات العناصر المتصارعة، وإعادة النظر فى عملية التسوية السياسية بشكل سلمى، بما يضمن التقاسم العادل للسلطة بين الحكومة والمعارضة. كما تطرق الاتفاق إلى وضع آلية مراقبة لمتابعة وتقييم مسارات التنفيذ.
وفى هذا الإطار؛ لم تستقر الأوضاع نتيجة لتجدد الاشتباكات بين الجانبين، وعدم الثقة بينهما تجلت فى استمرار بقاء جيشين، وشرطتين وجهازين أمنيين، فى دولة واحدة، أحدهما تابع للقوات الحكومية والآخر للمعارضة، مع تزايد انتشار السلاح والنزاعات القبلية، الأمر الذى شكل هيكلا جديدا للدولة الناشئة بعيدًا عن محددات الاستقرار السياسى والتعايش السلمى لشعبها. أسفر المشهد السياسى فى طياته عوامل الانهيار.
بجانب انشقاق بعض القيادات العسكرية والمدنية من «الجيش الشعبى»، مثل «بول ملونق» رئيس الأركان، وإعلانه تشكيل «السودان المتحدة» باعتبارها جبهة سياسية وعسكرية جديدة، فيما أسس الجنرال «توماس سريلو» نائب رئيس هيئة الأركان الأسبق جبهة «الخلاص» فى مارس ٢٠١٧، ليكون جزءًا من النزاع الدائر وليس أطرافًا لحله. 
إثيوبيا وتفعيل جهود السلام
لعبت إثيوبيا دورًا حاسمًا فى إدارة الصراع بين الفرقاء السودانيين بكفاءة وفعالية بقيادة رئيس الوزراء الجديد «آبى أحمد» رئيس الهيئة الحكومية للتنمية «إيجاد» الذى يحاول إعادة الاستقرار فى منطقة شرق أفريقيا «القرن الأفريقي» عن طريق تبنى جهود الوساطة الإقليمية فى الصراعات الدائرة، تمثلت بشكل كبير فى التقارب مع إريتريا، ودول المصب (السودان، مصر)، بالإضافة إلى الوساطة بين جوبا والخرطوم.
وعليه فقد استطاع لم شمل الأطراف المتصارعة فى العاصمة الإثيوبية «أديس أبابا» لأول مرة منذ عامين فى ٢٠ يونيو ٢٠١٨ لإعادة الاستقرار لدولة جنوب السودان، وإنهاء الحرب الدائرة، تمهيدًا لبحث سبل التسوية السياسية السلمية، وبالرغم من تعثر المحادثات بسبب رغبة «كير» فى تهميش «مشار» رافضًا وجوده فى الحكومة الوطنية، إبان اجتماع «أديس أبابا»، إلا إنه وافق على عقد لقاء جديد فى الخرطوم للتوصل إلى تسوية سلمية بينهما، وفقًا لطلب رؤساء الدول الأعضاء فى «إيجاد». والجدير بالذكر؛ أن الخرطوم قد أعلنت عن مبادرة للسلام لحل الأزمة السياسية فى جوبا برعاية البشير فى ٥ يونيو ٢٠١٨. 
وهنا لا بد من الإشارة إلى التحركات الإثيويبة تجاه جوبا؛ حيث تلعب القيادة السياسية الإثيوبية دورًا بارزًا فى منطقة القرن الأفريقى بعد فترة طويلة من الانعزال عن الدوائر الإقليمية وأزماتها الداخلية، لتسوق لنفسها أمام القوى الكبرى بأنها حليف استراتيجى قوى يمكن الاعتماد عليه فى إدارة صراعات المنطقة، علاوة على رغبتها فى تعميق علاقاتها على كل الأصعدة مع القوى الإقليمية لتوسيع توجهاتها الخارجية، بما ينعكس على استقرار منطقة شرق أفريقيا عبر تفعيل الآليات الدبلوماسية الناعمة. 
ختامًا؛ تشهد جوبا تحولا نوعيا جديدا فى سياق محادثات السلام التى تدار بوساطة القوى الإقليمية، ولكن لا بد من التعامل معها بتفاؤل حذر فما زالت هناك مخاوف من عدم اكتمال اتفاق السلام على غرار اتفاق ٢٠١٥، نتيجة عدم توافق القوى الداخلية تجاه إدارة الملفات الوطنية وعودة النزاعات القبلية كمتحكم فى سياق العملية السياسية. 
فى مقابل استمرار الجهود الإثيوبية والسودانية فى رعاية عملية التسوية السياسية لإعادة الاستقرار للمنطقة للتخلص من القوى الدولية التى تحاول الاستفادة من عدم الاستقرار لتحقيق أطماعها التوسعية، والاستفادة من الموارد الطبيعية والنفطية، لذا تحاول «أديس أبابا» تهدئة الأوضاع تمهيدًا لجذب الاستثمارات الأجنبية لإعادة التنمية المستدامة والاستقرار لدول القرن الأفريقى، بعد حالة الانهيار والفوضى الذى عانت منه بعض دول المنطقة. 




"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟