رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
العرب

"الميناء".. كلمة السر في استمرار الحرب اليمنية

الخميس 14/يونيو/2018 - 10:56 م
الحرب اليمنية
الحرب اليمنية
محمود جمال عبد العال
طباعة
شنت قوات التحالف العربى فى اليمن هجومًا واسعًا على ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران لاستعادة ميناء الحديدة بعد رفض الحوثيين تسليمه لاعتمادهم عليه فى تهريب السلاح والسيطرة على المساعدات والمواد الغذائية.
ميليشيات الحوثيين خسرت خلال شهر مئات المواقع وهربت عناصرها من المدينة وأمس شنت قوات التحالف العربية هجومًا واسعًا لاستعادة الميناء والمدينة في الوقت الذي يفخخ فيه عناصر الجماعية الإرهابية المدينة.
وأدان المتحدث باسم التحالف العربى فى اليمن، العقيد ركن طيار تركى المالكى، التهديدات الحوثية للمنظمات الإغاثية، وشدد على حماية عمال الإغاثة، وقال المالكى، فى مؤتمر صحفى بالرياض بداية الأسبوع الجارى، إن التحالف أصدر مئات من قرارات عدم الاستهداف خلال العمليات، حرصا على سلامة العاملين فى الإغاثة، لافتا إلى أن قوات الشرعية تستعد لقطع طريق إمداد الحوثيين نحو صعدة.
اتهمت الحكومة الشرعية الحوثيين بتوظيف الميناء فى الحرب الجارية باليمن، لذا دعت الأمم المتحدة لوضع خطة للإشراف الدولى على أنشطة الميناء حتى لا يستخدمه الحوثيون فى دعم انقلابهم. وجدير بالذكر الإشارة إلى استجابة التحالف العربى منذ انطلاق «عاصفة الحزم» فى مطلع عام ٢٠١٥ إلى النداءات الدولية المطالبة بعدم استهداف الميناء عسكريًا لما يمثله من أهمية بالغة فى ضمان وصول المؤن الغذائية والأدوية والمشتقات النفطية للمدنيين، لذا اكتفى التحالف بإجراءات روتينية للسفن القادمة للميناء عبر نقاط تفتيش قام الحوثيون باختراقها والتحايل على مهامها.
مدينة الحُديدة: الأهمية الجيوسياسية
تُمثل مدينة الحديدة وميناؤها أهمية تاريخية فى استراتيجية الدفاع اليمنية؛ حيث اتخذ منه العثمانيون مركزًا للسيطرة على بقية مدن الهضبة الزيدية المجاورة، فيما دخل المصريون اليمن دعمًا للثورة على نظام الحكم الملكى عام ١٩٦٢ عبر «ميناء الحُديدة»، وكذلك خرجوا منه أواخر ١٩٦٧. وفى ظل التهديدات الحوثية للأراضى السعودية عبر الصواريخ الباليستية، تقترب منطقة الحديدة من منطقة جازان السعودية، وهو ما يُمثل تهديدًا كبيرًا للمملكة خاصة بعد المحاولات التى قام بها الحوثيون لنقل المعركة إلى الداخل السعودى من خلال احتلال المناطق السعودية المتاخمة للحدود اليمنية السعودية كجازان، وعسير.
وفقًا لإحصاء ٢٠١١ لعدد السكان اليمنيين، بلغ عدد سكان الحُديدة ٢.٥ مليون نسمة، يعتمدون بشكل أساسى على مهنة الصيد مما يعنى تعرض المدينة وسكانها إلى مخاطر المجاعة فى حال انطلاق العمليات الحربية، وتوقف مهنة الصيد خاصة عند الأخذ فى الاعتبار أن المحافظة من أعلى المحافظات فقرًا باليمن.
ويُعد «ميناء الُحديدة» ثانى أكبر الموانئ اليمنية بعد «ميناء عدن»، ويعتبر الميناء منفذ الحوثيين الوحيد على الخارج فى ظل الحصار البرى والبحرى والجوى المفروض عليهم من قِبل قوات التحالف، ويستقبل الميناء ما نسبته ٧٠٪ من حجم الواردات اليمنية التى ترتكز على الغذاء والدواء والوقود. لذلك، حاول الحوثيون اللعب إعلاميًا على وتر الأزمة الإنسانية والمجاعات التى قد تحدث فى حال قررت قوات التحالف الاستيلاء على الميناء بقوة. 
أجندة جماعة أنصار الله
تعمل حركة «أنصار الله» على تعظيم استفادتها من «ميناء الحُديدة» على المستويين الاقتصادى والعسكري؛ حيث يُسخر الحوثيون إمكاناتهم العسكرية والإعلامية للدفاع عن سيطرتهم على الميناء باعتباره الشريان الوحيد المغذى لأنشطتهم وفعالياتهم سواءً من خلال دعم اقتصاد الحرب، أو استخدامه فى تهريب الأسلحة. من الناحية الأخرى، تعمل قيادة التحالف العربى على قطع الإمدادات التى يوفرها الميناء سواءً الاقتصادية أو العسكرية عن الحوثيين.
دعم اقتصاد الحرب
يستقبل ميناء الحُديدة -كما أشرنا سلفًا- حوالى ٧٠ ٪ من حجم الواردات اليمنية من الغذاء والدواء والوقود، وتشير التقارير الاقتصادية إلى اعتماد اقتصاد الحوثيين على فرض رسوم رسمية وغير رسمية (الضرائب، والغرامات الإدارية) على هذه السلع؛ حيث يستغل الحوثيون العائدات الجمركية من الميناء فى تمويل عملياتهم الحربية. وتكتسى عملية السيطرة عليه أهميتها لدى قوات التحالف العربى من ضرورة قطع أحد أهم مصادر الدعم الاقتصادى عن خزانة الحوثيين؛ إذ يعتمد الحوثيون على عوائد «ميناء الحُديدة» بشكلٍ كبير فى ظل الحصار المفروض عليهم برًا وبحرًا وجوًا. وفى هذا السياق، تعمل الحكومة الشرعية بالتعاون مع قوات التحالف العربى على تجهيز «ميناء المخا» لتشغيله تحت سيطرتها، وذلك لتجاوز حجج العالم الدولى المُعترِض على الاستيلاء على الميناء بالقوة خوفًا من تفاقم الأزمة الإنسانية، لذا قد يلعب «ميناء المخا» دور البديل لـ «ميناء الحُديدة» فى حال قررت قوات التحالف السيطرة عليه عسكريًا.
تهريب الأسلحة
اتهمت قوات التحالف والحكومة الشرعية ميليشيا الحوثى باستخدام الميناء فى استمرار تأجيج الصراع، وديمومة الحرب فى اليمن من خلال توظيف الميناء لأهدافٍ عسكرية. فى هذا السياق، قال أحمد عسيرى المتحدث العسكرى السابق: «إن ميناء الحُديدة أهم مصادر تمويل وإيصال السلاح لليمن من إيران»، وأشار عسيرى إلى أن الصواريخ المضادة للدروع (كورنيت) دخلت اليمن من بوابة ميناء الحُديدة. واتهم عسيرى الدول الغربية بدعم الحوثيين من خلال المطالبة بإبقاء الميناء خارج الصراع بحجة الدور الإنسانى الموكل له. وطلب التحالف العربى من الأمم المتحدة والمبعوث الأممى بتحييد الميناء عن طريق وضعه تحت الإشراف الدولي. وتجدر الإشارة إلى رفض الولايات المتحدة الأمريكية المشاركة فى عمليّات تحرير الحُديدة، أو حتى إعطاء الضوء الأخضر للتحالف العربى بشأنها لاعتبارات تتعلق بالوضع الإنسانى المتردى هناك.
ومن ناحيته، اتهم خالد اليماني، مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة، ميليشيا الحوثى باستخدام الميناء لتهريب السلاح إلى البلاد، وطالب اليمانى الأمم المتحدة الاضطلاع بدورها فى الإشراف على الميناء لمنع توظيفه فى أهداف الحوثيين الحربية. وقد دعا المبعوث الأممى السابق إسماعيل ولد الشيخ فى إحاطته لمجلس الأمن، بأهمية استعمال الإيرادات الجمركية والضريبية من ميناء الحديدة لتمويل الرواتب والخدمات الأساسية بدلًا من استغلالها للحرب، أو للمنافع الشخصية. 
أعلن «مارتن غريفيث» مبادة تسوية بشأن الحُديدة تشمل وضعه تحت إدارة المنظمة الأممية، ولكنه قوبلت بالرفض من قبل الحوثيين لأسباب تتعلق برفضهم التنازل عن سلطتهم على البنك المركزى فى صنعاء لصالح الحكومة الشرعية فى عدن، وكذلك رفضهم خضوع الرحلات التجارية من مطار صنعاء (فى حال نجاح المبادرة) للتفتيش فى مطار «بيشة» السعودي.
تهديد الملاحة العالمية
واستهداف ناقلات النفط
يعمل الحوثيون منذ بدء العمليات العسكرية لقوات التحالف على خلق حالة من التهديد المستمر قُبالة السواحل الغربية لليمن. وفى هذا الإطار، هدد الحوثيون على لسان رئيس المجلس الانتقالى الراحل صالح الصماد بعدم السماح للسفن بالمرور، وضرب الملاحة فى منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب فى حال تقدمت قوات التحالف للسيطرة على الساحل الغربى لليمن. 
من ناحيةٍ أخرى، يحاول الحوثيون باستماتة استهداف مصالح المملكة العربية السعودية فى البحر الأحمر خاصة المصالح النفطية التى يعتمد عليها الاقتصاد السعودى بشكل رئيسى، وهناك أمثلة ووقائع مختلفة تؤكد ذلك؛ حيث استهداف مواقع شركة أرامكو، واستدعاء «حروب ناقلات النفط» مرة أخرى بعد قيامهم فى أوائل أبريل من هذا العام باستهداف ناقلة النفط السعودية «أبقيق» قُبالة السواحل اليمنية باستخدام قوارب مُتفجرة عن بعد «دون ربان»، واستطاعت قوات التحالف من خلال بارجة حربية كانت قريبة من موقع العملية إفشال الهجوم. لم يكن استهداف ناقلة النفط «أبقيق» هو الأول من نوعه؛ حيث قام الحوثيون فى وقتٍ سابق باستهداف ناقلة نفط سعودية بنفس الطريقة.
ختامًا؛ من خلال تتبع العمليّات العسكرية للتحالف العربى وقوات الشرعية فى المناطق القريبة من الساحل الغربى باليمن، يبدو أن هناك ضرورة فى الفكر الاستراتيجى لقيادة التحالف للسيطرة على مدينة الحُديدة وميناؤها لتجفيف منابع دعم الحوثيين، ويتسق تجهيز «ميناء المخا» للاضطلاع بدور «ميناء الحُديدة» مع رفض العالم الدولي، وفى مقدمته واشنطن، وموسكو، والاتحاد الأوربي، الاستيلاء على الحُديدة بالقوة وذلك لعدم تفاقم الوضع الإنساني. من الناحية الأخرى، يمثل «الحُديدة» أهمية استراتيجية للحوثيين، وهو ما بز فى مماطلاتهم وشروطهم التعجيزية للرد على مبادرات الأمم المتحدة لوضع الميناء تحت إدارتها. 
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟