رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

أردوغان... السلطان الكاذب «3»

الأحد 04/مارس/2018 - 11:19 م
أردوغان
أردوغان
محمد شعبان
طباعة

فى مثل هذا الشهر - تحديدًا 3 مارس 1924م- ألغى القائد التركى مصطفى كمال أتاتورك منصب الخليفة العثمانى من تركيا، وقام بتوحيد التعليم، وطوال هذه المدة أحدث قرار أتاتورك انقلابات خطيرة فى عالمنا العربى والإسلامى، أخطرها ظهور تيارات الإسلام السياسى، التى تعمل على إعادة الخلافة مستخدمة خطابًا دعائيًا يروج لفكرة أن الخلافة فريضة دينية يجب على المسلمين العودة إليها.

وطوال شهر مارس ستفتح البوابة ملف «الخلافة»، وتحديدًا الخلافة العثمانية لتجيب عن سؤالين.. أولهما: هل كانت الدولة العثمانية خلافة بالمعنى الإسلامى المعروف تاريخيًا؟.. وهل كانت الدولة العثمانية تقود المسلمين إلى التقدم فى الدين والدنيا، كما يأمر الإسلام أم أنها كانت سلطنة عفا عليها الدهر فقادت المسلمين إلى التخلف والانهيار؟

وسنعتمد فى هذا الملف على نصوص كتبها علماء إسلاميون أجلاء تؤكد أن الخلافة ليست فريضة دينية، بل شأن حياتى للمسلمين ترتيبه على الوجه المناسب للعصر، هذا التصور يعد نقيضًا لما تزعمه تيارات الإسلام السياسى، وفى مقدمتها جماعة الإخوان الإرهابية.

كما سيضم الملف حوارات مع متخصصين فى الدولة العثمانية تكشف الوجه الفاسد لهذه الدولة، والنظام الذى يلهث الجرو التركى رجب طيب أردوغان لإعادته من أجل مطامع دنيوية وليست دينية.

شروط الخلافة

يشترط لأن يكون الشخص أهلاً ومستحقًا لها، وأن يكون جامعاً للصفات المطلوبة والشروط اللازمة لها. والشروط المتفق عليها عند جمهور أهل السنة هى:

أن يكون مسلما، حراً، عاقلاً، بالغًا، ذكراً، سليمًا فى حواسه وأعضائه، كنزاً، عالماً، شجاعاً، عادلاً، قرشيًا.

أما كوْن الشروط الستة الأولى شروطاً لأهلية الخلافة واستحقاقها، فلا يحتاج إلى البيان، لأن من لم يتصف بها لا يكون قادراً على إيفاء وظيفة الخلافة بالبداهة. وأما الكفاية فالمراد منها أن يكون صاحب رأى وتدبير وصاحب رشد وسياسة فى تمشية أمور البلاد ورؤية مصالح العباد، وأن يكون صاحب نفوذ وقدرة وشوكة وسطوة فى تنفيذ الأحكام عليهم، وأما العلم فالمراد منه عند الجمهور كما صرح فى «المواقف»، وعند الشافعية أن يكون مجتهداً فى الأصول والفروع، ليقوم بأمور الدين، متمكنا من إقامة الحجج وحل الشبه، فلا يكفى أن يكون عالما بسيطا. وأما عند الحنفية فلا يشترط أن يكون مجتهدا، فيكفى عندهم أن يكون عالماً بالأحكام الشرعية ومصالح الخلافة.

وأما العدالة فالمراد بها ها هنا، أن يكون الخليفة صاحب استقامة فى السيرة والسلوك، وأن يكون متجنبا عن الأفعال والأحوال الموجبة للفسق والفجور، فكما لا يكون الظالم والغدار مُستحقا لها لا يكون المتصف بالفسق والفجور أهلا لها. قالت الأئمة: إن مثل إجلاس المتصف بالظلم والاعتساف على كرسى الخلافة وتسليم العباد له كمثل تسليم قطيعة غنم للذئب وجعله راعيا لها بلا فرق. وأقوى برهان فى هذا المقام، كما ذكرنا سابقا فى مبحث الإمامة، رده سبحانه وتعالى على إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام لما طلب منه تعالى أن يجعل إماما أيضا من ذريته بقوله عليه السلام: «ومن ذريتى» بقوله عز وجل: «لا ينال عهدى الظالمين» أى لا يصل إمامتى إلى الظالمين.

والمقصد الأساسى من نصب الخليفة والإمام هو دفع ظلم الظالم لا تسليط الظلم على الناس. فلذا لا يجوز عند علماء الإسلام كافة انتخاب من هو معروف بالظلم والاعتساف خليفة ونصبه.

والخليفة الذى ارتكب الظلم بعد خلافته يستحق العزل بالاتفاق. وعند قدماء الشافعية وعلى رأسهم إمامهم أنه ينعزل ولو لم تعزله الأمة.

وعند بعض العلماء أن العدل ليس من شروط صحة الخلافة عند أئمة الحنفية، فتصح خلافة الفاسق مع الكراهة، ويجوز عندهم تقلد الوظائف منه كالقضاء والولاية، ولكن هذا القول ليس بصواب، لأن ابن همام من أكابر محققى فقهاء الحنفية صرح فى «المسايرة»، وكذا صدر الشريعة صرح فى كتابه الجليل «تعديل العلوم» بأن العدالة شرط فى صحتها عند أئمة الحنفية أيضاً.

التدقيق فى شرط «القرشية»

المراد من القرشية هو أن يكون الخليفة من أولاد قبيلة قريش. ويطلق «القريش» على بنى النضر بن كنانة. وهذه القبيلة كانت صاحبة نفوذ وشوكة بين قبائل العرب. وحضرة صاحب الرسالة وبنو هاشم وبنو أمية وبنو العباس كلهم منها.

الخوارج وأكثر علماء المعتزلة لا يسلمون شرط كون الخليفة من أولادها ويقولون: «لا دخل للنسب فى أمر يعود للأمة كالخلافة، إنما هذا الشرط على قول أهل السنة، وأئمة المذاهب جميعا كالحنفى والشافعى والمالكى والحنبلى متفقون فى اشتراط هذا فى الخليفة والإمام، وسندهم فيه الحديث الشريف «الأئمة من قريش» والإمام نجم الدين عمر النسفى المشهور بـ«مفتى الثقلين» - وهو من أكبر فحول علماء تركستان وأحد أساتذة الفقهاء الحنفية فى الأصول والفروع والمتوفى ببلدة سمرقند بتاريخ ٣٥٧ هـ - يقول فى كتابه «العقائد النسفية»، الذى يدرس منذ الأعصار فى المدارس الإسلامية ولم يزل يدرس فى مدارس الآستانة، فى شرط القرشية «ويكون من قريش ولا يجوز من غيرهم».

فالحالة تصبح هنا معضلة، لأن علماء أهل السنة يقولون من جهة إنه يجب نصب الإمام على الأمة الإسلامية، ومن جهة ثانية لا يجيزون إمامة من لم يستجمع الشروط المذكورة آنفا، لا سيما الشرط الأخير. وعلى هذا التقدير فالمسلمون عامة إذا لم ينصبوا عليهم إماما يكونون آثمين، وإذا نصبوا إماما لم يستجمع الشروط اللازمة ولم يكن صاحب شوكة ونفوذ على الخلق من أولاد قريش لعدم وجود من استجمعها منها يكونون آثمين أيضا.

فلم تكن هذه الشروط، لا سيما شرط القرشية، سوى أنها أوقعت الأمة الإسلامية فى الإثم منذ العصور، فلذا يقول العلامة التفتازانى فى «شرح العقائد النسفية»: «إن الأمر أصبح معضلا بعد الخلفاء العباسيين». وعليه فما العمل فى رفع هذا الإشكال وتخليص المسلمين من الإثم.

يقول الإمام الأجلّ القاضى عضد الدين فى كتابه الشهير بـ«المواقف»، الذى هو أهم كتب أهل السنة وأجلها، رداً على هذا الاعتراض الوارد من المخالفين: «إن وجوب نصب الإمام على المسلمين إذا وجد شخص مستجمع شروط الإمامة، وإلا فلا يجب». ويقوى الشارح العلامة السيد الشريف الجرجانى هذا الجواب بسكوته (شرح المواقف - المجلد الثالث. صفحة ٢٦٤).

ولكن يرد هنا سؤال وهو: ألا تبقى البلاد فى حالة الفوضى، والأمة فى الاختلال على هذه الصورة؟ نعم ولا شك أنه إذا لم تؤسس الحكومة وبقيت الأمة فى حالة فوضى وليس لها من يرأسها، تبقى البلاد فى فوضى والأمة فى اختلال. لكن صاحب المواقف لم يرد هذا، بل أراد أن يقول: «إذا لم يمكن نصب إمام، أى خليفة حقيقى مستجمع للشروط اللازمة فيسقط وجوب نصبه بهذا المعنى، ولا يفهم منه القول بعدم الوجوب أصلا حتى يرد هذا السؤال عليه، فيجب نصب شخص وتأسيس حكومة، ولكن لا يقال لهذا خلافة، ولا لرئيسها خليفة بمعنى الإمام، ولا إثم على الأمة الإسلامية لهذا».

قال المحقق الشهير - وأكبر علماء تركستان - صدر الشريعة - المتوفى سنة ٧٤٧ ببخارى - فى كتابه «تعديل العلوم»، بعد أن ذكر شروط الخلافة وصرح بأنها ختمت فى الثلاثين سنة وتأسست بعدها السلطنة التى هى عبارة عن الرئاسة الدنيوية والتغلب: «وسقط من الشرائط ما تسقطه الضرورة، ثم فى زماننا سقطت القرشية أيضا».

والحقيقة أن الحكمة والعلة فى شرط القرشية فى الخلافة كون قبيلة قريش من أشرف القبائل العربية وأكبرها نفوذاً عليها. ولزوال سطوتها وشوكتها بمرور الأيام بتاتا لم يبق لهذا الشرط حكم بالضرورة، ولهذا أجاز العلماء الموجودون انتقال الخلافة إلى السلطان سليم الأول سنة ٩٢٣ حين أتى من مصر بـ«المتوكل على الله» آخر الخلفاء العباسيين فى جامع أيا صوفية، وتنازل هذا عنها للسلطان المذكور. ويجب ألا ننسى أن هذه الخلافة لم تكن خلافة حقيقية، بل خلافة صورية وحكمية.

وللسبب ذاته أيضا فإن الشريف حسينا، فى زماننا، لما ادعى الخلافة وأعلن أنه قرشى وهاشمى، لم يعبأ به أحد لا فى العالم الإسلامى ولا فى نفس جزيرة العرب. مع أنه لما أعلن مجلس الأمة الكبير إجلاس حضرة عبدالمجيد على مقام الخلافة، ارتفعت أصوات البيعة والإجابة من جميع أنحاء العالم الإسلامى إن لم يكن فعلاً فقولاً. ولهذا حصر مجلس الأمة الكبير الخلافة فى الأسرة العثمانية موافق للحكمة. العلة هى نفس العلة، إنما الذى تغير هو المظهرية، لا العلاة والحكومة.

هذه هى شروط الخلافة الحقيقية، ولذا لا يجوز انتخاب من لم يكن مستجمعا إياها وتعيينه خليفة، ولا تشمل على الخلافة الصورية والحكمية التى هى عبارة عن الملك والسلطنة، أى أنه لا يبحث عن وجود هذه الشروط فى الخلافة الحكمية، ولا يشترط لوجودها وجودها، لأن هذه الخلافة الصورية ليست فى الحقيقة خلافة، بل خلافة ظاهرية وحكمية كما قلنا سابقا، وهى مستندة إلى الجبر والقوة والقهر والغلبة. ويتبين من هذا فرق بين الخلافة الحقيقية والخلافة الصورية والحكمية، باعتبار هذه الشروط وبعدم اعتبارها. وهذا الفرق مهم جداً، وله علاقة بمسألة جواز تفريق السلطنة عن الخلافة أو عدم جوازه التى سنبحث عنها قريباً.

كيفية اكتساب الخلافة

إن ما وضحناه إلى الآن كله، هو على تقدير كون المراد من لفظة «الخلافة» الحاصل بالمصدر، أعنى به الصفة الحاصلة لشخص الخليفة من كونه خليفة، ولنشرع الآن إلى بيان كيفية اكتساب هذه الصفة، وبيان ماهية الخلافة الفقهية بالمعنى المصدرى، يعنى كون الشخص خليفة.

إذا استجمع شخص فى ذاته صفات الخلافة وشروطها أكثر من غيره، هل يصح له أن يصير خليفة من تلقاء نفسه برأيه وإرادته؟ لا يصير قطعا حتى لو فرضنا وجود شخص واحد فقط فى الدنيا مستجمع لشروطها لا يصير خليفة بمجرد تفرده بين الناس. وعلماء أهل السنة كافة متفقون فى هذا. لأن الشريعة الإسلامية لم تعط لأحد صلاحية التصرف على العامة رأسا. ولا يحق له التصرف فيها ما لم تخوله الأمة هذه الصلاحية. فلا حق لأحد أصلا أن يدعيه من تلقاء نفسه. فقد تلقى الفقهاء الخلافة واعتبروها نوعا من أنواع العقود بين الأمة الاسلامية والخليفة، كما ذكر فى الكتب الفقهية المعتبرة عامة وفى الكتاب المعروف بـ«الأحكام السلطانية» للإمام الماوردى من أعاظم الفقهاء الشافعية خاصة، أى أن الخلافة عقد ينعقد بالإيجاب والقبول فيما بينهما فى نظر الفقه والحقوق الإسلامية، بل من نوع عقد الوكالة. فكما لا يسوغ لأحد أن يجرى وظيفة الوكالة من تلقاء نفسه من غير تفويض، لا يسوغ كذلك لأحد أيا كان أن يقوم بوظائف الخلافة رأسا إذا لم يفوضها الأمة، لأن الأمور التى يقوم بها الخليفة هى فى ذاتها أمور الأمة، ومن الأمور المشتركة بينها. فإذا فوضت الأمة أمورها هذه بصورة خاصة إلى من ترى عنده الأهلية بالإيجاب. وهو تعهدها بأن من يقوم بها يكون حينئذ خليفة، ويقال لهذا العقد المنعقد بالإيجاب والقبول «خلافة». ولم يكن عقد الوكالة شيئا غير هذا، لأن الفقهاء عرفوا الوكالة فى علم الفقه بـ«أن يفوض أحد أمره للآخر وأن يقيمه مقامه» (انظر إلي المادة ١٤٤٩ من المجلة).

ولكون الخلافة من نوع عقد الوكالة يقول جمهور أهل السنة: «إن العمدة فى انعقاد الخلافة هى المشورة، أى الانتخاب والبيعة بالمشاورة». ومعنى «البيعة» فى الأصل هى الصفقة فى معاملة البيع والشراء، أى إيجاب البائع بوضع يده فى يد المشترى قائلا له: «بعته منك بارك الله لك فيه» ثم صارت عرفا فى إيجاب عقد الخلافة وتفويض صفتها وأمورها للخليفة بهذه العلاقة.

ونظرا لماهية الخلافة هذه ولأصول الانتخاب العام، كان يجب أن يدخل فى أمر الانتخاب والبيعة كل فرد بذاته أو بالنيابة، ولكن لاتساع البلاد الإسلامية يتعذر إجراء هذه القاعدة ويستلزم التفرقة بين المسلمين، إن قلنا بانتخاب خلفاء متعددين فى مختلف البلدان، ولا يجوز شرعا انتخاب أكثر من واحد للخلافة فى زمن واحد، ولذا قال الفقهاء إن انتخاب أهل الحل والعقد الموجودين فى مقر الخليفة وبيعتهم فقط يكفى، ويقوم مقام عمود أفراد الأمة وبيعتهم. ولم يعين عدد أولئك فيكفى أن يكونوا بمقدار يمكن القول عنهم بأنهم «جماعة» عند بعض الفقهاء الحنفية والبعض الآخر قال - كما ذكر فى «الأحكام السلطانية» الذى سبق ذكره - يجب أن يدخل بينهم أناس من أهل الحل والعقد الموجودين بمراكز الولايات على الأقل. ولكن القول الأول هو المختار. لأن حضرات الصحابة الكرام «رضى الله عنهم» فعلوا هكذا، ولذلك ينعقد عقد الخلافة بانتخاب أهل الحل والعقد الموجودين فى الحاضرة، وبيعتهم وحدهم ويتم. ومن ثم يجب على المسلمين كافة الموجودين على سطح الأرض أن يعتبروه خليفة وأن يطيعوه.

وتنعقد أيضا باستخلاف الخليفة من يخلفه، أى تعيينه وليا للعهد، كما استخلف سيدنا أبوبكر الصديق رضى الله عنه سيدنا عمر وعينه وليا للعهد وعرضه على الأمة، ومن هنا يستدل على استحسان عرض الأمر على أهل الحل والعقد عند تعيين ولى للعهد، إنما هل هذا لازم؟ إنه عند الشافعية غير لازم، لأنهم يقولون إن الخليفة يجرى هذا حسب وكالته عن الأمة وبالإضافة لها. ومع هذا فإنهم يشترطون أن يكون ولى العهد مستجمعا شروط الخلافة تماما، كما أن نفس الخليفة الذى يعين ولى العهد يجب أيضا أن يكون مستجمعا هذه الشروط، كما ذكر فى «مغنى المحتاج فى شرح المنهاج»، وهو من أهم كتب الشافعية المعتبرة، فلا يعتبر تعيين الخليفة الجاهل الفاسق ولى عهد له، ولا يكون صحيحا، ولو كان هذا مستجمعا الشروط «مغنى المحتاج- المجلد الرابع- ص ١٢٥».

والحاصل أنه يوجد طريقان للخلافة، أحدهما: بيعة أهل الحل والعقد، والثانية: استخلاف الخليفة بذاته من يخلفه، الأولى هى الأصل والعمدة، والأخرى هى فرع لها. وعلى كلا الطريقين يجب أن يكون المنتخب للخلافة مستجمعا الشروط المذكورة سابقا، وإذا كان المرشحون لها أكثر من واحد لم يكن السن سببا للرجحان، بل يجب أن يرجح الأصلح والأرشد بينهم وينتخب، والخلافة لا تنتقل بالإرث بتاتا، لأنها وكالة وهى لا تورث فى زمن من الأزمان، ولهذا فالمجلس الكبير الملى اختار الأعلم والأصلح من آل عثمان، وانتخبه للخلافة وبايعه بها، وكان هذا القرار من نوع إحياء الأساسات الشرعية التى كانت معطلة منذ العصور. ويستحق المجلس التهنئة والاحترام بعمله هذا.

وترى الكتب المعتبرة فى انعقاد «الإمامة» طريقا ثالثا، وهو استحصالها بالقهر والاستيلاء. ولكن هذه لم تكن خلافة حقيقية، بل ملك وسلطنة وتغلب كما سبق ذكره مراراً. وفى التغلب يكون القول للسيف والحكم للغالب ضرورة. وجاء فى «المسايرة» أنه إذا خرج متغلب آخر على المتغلب الذى جلس على سرير الملك وغلبه، فالمتغلب الأول ينعزل بسبب زوال نفوذه وقدرته، ويقوم الثانى مقامه ويصير إماما، وإطلاق اسم «الإمام» على هؤلاء المتغلبة وعلى الملوك والسلاطين مطلقا باعتبار معناه الأعم. لأن لفظة «الإمام» فى الكتب الفقهية تستعمل أعم من لفظة «الخليفة» أى أن الفقهاء كما أنهم يعبرون عن الخليفة الحقيقى بالإمام، كذلك يطلقون هذا الاسم على السلاطين والملوك الذين ليسوا بخلفاء فى الحقيقة، كذلك يفسرون «الخليفة» بكتب اللغة ويترجمونه بالسلطان الأعظم وبملك الملوك، وقد قلنا آنفا إن هذه الإطلاقات كلها تكون حسب المعنى العرفى وليس المعنى الشرعى، ويجب ألا يغفل عن هذا، لأن أدنى غفلة توقع الإنسان فى أكبر الخطايا، مثل ما يدور فى يومنا هذا من الأفكار المغلوطة والأوهام الفاحشة فى هذه المسألة وسببها جهل هذه الحقيقة.

ولكون الخلافة - كما شرحنا - من نوع عقد الوكالة اعتبر فيها جهتان، الأولى خلافة النبوة وهى النيابة عن حضرة النبى الكريم، الثانية، خلافة الأمة وهى النيابة عن الأمة الإسلامية (انظر شرح المقاصد، المجلد الثانى ص: ٢٠٦»، وبهذا الاعتبار بالخليفة الحقيقى من جهة نائب النبى صلى الله عليه وسلم وخلفه، ومن جهة أخرى وكيل الأمة. ولأن الموكل له حق عزل وكيله إذا أساء التصرف فى وظيفته حسب القاعدة يجوز شرعا عزل الأمة للخليفة إذا أساء العمل فى وظيفته. ولو لم يكن الخليفة وكيل الأمة لما جاز خلعه شرعاً.

وخلاصة القول، إنه لما كانت الخلافة نوعا من الوكالة فتجرى فيها أحكام الوكالة كما صرح بالكتب الفقهية، منها أن الخلافة لا تورث. ومنها أنه إذا خلع أو توفى فلا ينعزل وكلاء الدولة والمأمورون الذين نصبوا من قبله، لأن الوكلاء ومأمورى الحكومة، وإن كانوا فى الظاهر وكلاء الخليفة، لكنهم فى الحقيقة وكلاء الأمة. ومن القواعد الفقهية أن وكيل الوكيل بالإذن هو فى الحقيقة وكيل الموكل، لا وكيل الوكيل الأول، ولذلك إذا عزل الوكيل الأول أو مات فلا ينعزل الوكيل الثانى. (انظر المجلة: المادتان ١٤٦٦ - ١٥٢٩» ومنها لا تعتبر شرعا تصرفات الخليفة التى تؤدى إلى محض ضرر الأمة. فلا يسوغ للخليفة، مثلا أن يملك شيئا من الأموال والأراضى الأميرية بلا بدل ولو كان من أبخس الأشياء، ولا أن يهبه لأحد، لأن تصرفات الوكيل لضرر الموكل لا تصير معتبرة ونافذة إذا لم يكن حائزا إذنه والخليفة ليس مأذونا بهذه التصرفات المضرة لا صراحة ولا دلالة.

قال الإمام شمس الأئمة السرخسى - أحد سادات الفقهاء الحنفية - فى كتابه الجليل المعروف «مبسوط السرخسى» فى مبحث اللقيط: «إن إمام المسلمين هو النائب عنهم فى استيفاء حقوقهم. وحق المسلمين هو فيما يعود عليهم نفعه. فلا يحق لإمام المسلمين أن يعفو القاتل من القصاص بلا بدل. لأنه نُصّب لمقام الإمامة لأجل استيفاء حقوق المسلمين، لا لإبطالها».

الكلمات المفتاحية

"
ads
برأيك .. أفضل مسلسل خارج السباق الرمضاني؟

برأيك .. أفضل مسلسل خارج السباق الرمضاني؟