رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

إبراهيم عبدالمجيد: مشكلتنا في رجال الدين.. نجيب محفوظ يستحق "نوبل" سواء وافق على "كامب ديفيد" أم رفضها.. قرأت "يوسف إدريس" وتلبّسني بشكل كبير.. وعندما أكتب قصّة أجده يطل علىّ منها.. فتوقّفت عن الكتابة

الثلاثاء 27/فبراير/2018 - 10:41 م
الكاتب الكبير إبراهيم
الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد في حواره لـ«البوابة»
حوار- أحمد فيصل تصوير- محمود عبداللطيف
طباعة
لم أسع لأن أصبح زعيمًا لحزب سياسى.. والفنان يعيش دومًا على هامش الحياة اليومية.. الكتابة الفنيّة تختلف عن المقالات.. والكتابات المباشرة ستختفى بعد سنوات.. الرواية تخلق نفسها بنفسها بعد الانتهاء من أول فصل.. وهى ما تحدّد اتجاهها.. 
يواصل الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد، فى روايته «قبل أن أنسى أنّى كنت هنا»، الصادرة مطلع هذا العام عن دار «بيت الياسمين» للنشر، التحليق فى عالمه الفانتازى، الذى يتخذ من الأحداث الواقعيّة خلفيةً له، امتدادًا لذلك التقليد السردى الذى اتبعه فى روايته السابقة «قطط العام الفائت».
فالبطل «نور قنديل»، الذى فقد الصلة بوطنه، وراح يحاول إعادة صلته به عبر السير بين المعابد والمسلّات الفرعونية متوسّلًا بها بعث الإيمان بمصر فى قلبه، يطل على القارئ منذ الصفحات الأولى شاهدًا على وقائع غريبة تجرى حوله، سرعان ما تتسع وتُعمّم لتجرى حول آخرين، أشجار تنخلع من جذورها فى الأرض لتعرج إلى السماء، ورسوم جرافيتى تظهر على الجدران لبعض الوقت ثم تختفى، أشكال إدانة متعدّدة، ومبتكرة، نسج بها «عبدالمجيد» خيوط حكايته الجديدة. 
الكاتب الكبير إبراهيم
الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد في حواره لـ«البوابة»
■ روايتك الأخيرة استمرار للطابع الفانتازى فى السرد.. هل لم تعد تحتمل الواقع الحالى؟
- لا.. لجوئى إلى الفانتازيا ليس جديدًا، فبدأ معى فى رواية «المسافات» التى لجأت فيها للأساطير، ولم يكن حتى جابرييل جارسيا ماركيز قد عُرف لدينا وانتشر بعد، فكانت طريقة السرد تلك سابقة على انتشار ما سموه «الواقعية السحرية». 
وبعيدًا عن ذلك، فحين أشرع فى الكتابة، أتخلّص من أشكال كتابتى السابقة، وأتخلّص من تصنيفات المدارس الأدبية، وأكتب فقط ما أراه متسقًا مع الزمان والمكان والشخصيات وروحى، وبعد إنجازه لا تهمنى التفسيرات أو التصنيفات الدقيقة، فما أن صدرت رواية «قطط العام الفائت»، حتى قال البعض إنى اخترت بلدًا آخر خيالية حتى تكون لدىّ المساحة والحريّة فى الكتابة، ولا مشكلة لدىّ فى ذلك التفسير.
فى الواقع ليست لدىّ مفكّرة أكتب بها، فأنا أعتمد على النسيان أكثر مما أعتمد على التذكّر، واللاشعور هو الذى يفرض نفسه على الورق، ولم يحدث أبدًا أن وضعت خطة لرواية قبل أن أبدأ فى كتابتها؛ لأنى أعرف تمامًا أن الرواية هى التى تخلق نفسها بنفسها بعد الانتهاء من أول فصل، وهى التى تحدّد اتجاهها.
■ واقعة موت «إيزيس» فى ثورة يناير خلال الرواية.. هل أردت أن تقول بها إن فكرة الثورة الإنسانية خالدة؟
- ربما، تستطيع أن تفسّر الواقعة على النحو الذى تراه، والأحداث الروائية لا بد أن تكون مفتوحة على كل الاحتمالات والتفسيرات. والواقع أنّى لم أفرض اسم إيزيس على الشخصية، فالبطل كان فى الأقصر، وكان يزور المعابد ويقف أمام المسلّات لتتشرّب روحه عظمة أجدادنا، فكان من الطبيعى أن يأتى اسم إيزيس ليقحم نفسه فى النص إقحامًا.
■ الكتابة فى السابق كانت تستغرق معك سنوات.. والآن تكتب الرواية فى سنة أو أقل.. ما السبب؟
- كنت فى سن الشباب أتمهّل فى القراءة والتفكير، وكنت أشعر أنّى لدىّ متسع كاف من الوقت، فالشاب يحس دائمًا أنه يملك الزمن، ولذلك كنت آخذ وقتى، أمّا الآن كبرت فى العمر، وما زلت فى حاجة إلى أن أكتب وأقول، لكن لم تعد لدىّ رفاهية الانتظار كما كنت أفعل فى سنواتى السابقة.
الكاتب الكبير إبراهيم
الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد
■ «الإنسان طين وقش، والله صانع الفخار» حكمة فرعونية استخدمتها للمرة الثانية فى الرواية.. هل تريد أن تقول إن الدين ملجأ المحبَطين؟
- هذه حقيقة، وعلى ذكر هذا الموضوع، أنا لدىّ كتاب صغير اسمه «ما وراء الخراب» أفكّر بجديّة فى إعادة طبعه خلال الفترة القادمة، بعد إضافة فصل جديد عليه يعالج فكرة الثورة، إلى جانب الدين، والنهضة، والتراث، ومسائل أخرى مهمّة. 
وبالنسبة لأصل الدين، فالإنسان البدائى، فى عالم صعب وموحش، كان يواجه الأهوال، كانت تأكله الوحوش، وتقتله الظواهر الطبيعيّة كالفيضانات، وهو يقف وحيدًا فى وجه كل تلك المخاطر التى تحيط به من كل جانب، بلا معرفة، وبلا قدرة على تفسير الظواهر. 
والتفكير البدائى بطبيعته كان تشخيصيًا كتفكير الأطفال، فالإنسان لم يكن قد طوّر القدرة على التجريد بعد، ومن هنا قال فى نفسه إنه لا بد هناك كائن أقوى من كل تلك الظواهر المحيطة ليحميه، فراح يعبد أى شىء دون تمييز، يعبد التمساح كما يعبد الجعران، التمساح الذى يأكله، والجعران الذى قد يكون سبب الإنجاب لدى النساء، يعبد ما يكره اتقاءً لشرّه، ويعبد ما يحب حتى يمد له يد العون، وأخذ يرسم على الكهوف والجدران، ومن هنا جاء السحر.
فبداية الدين كانت هى البحث عن ضامن لاستمرار الحياة المهدّدة من كل شىء، لكن تلك البداية ما لبثت مع تقدّم السنوات أن اتخذت أشكالا أخرى، فظهرت التجارة بالدين، وراح الناس يشترون التعاويذ من الكهنة، وحين يموت أحدهم، يقوم الكاهن بالرسم على المقبرة نظير مقابل مادّى، وتحوّل الكهنة إلى شلّة منتفعين لها سُلطة، فتبدّل الدين من هذا الشعور البسيط التلقائى الذى جعل الإنسان يهتدى إلى وجود عالم الآخرة، فكان البدائى فى مصر القديمة يعتقد أن الآخرة تكمن فى غروب الشمس، ولذلك كانت المقابر المصرية دائمًا توجد فى الغرب؛ حيث مكان أوزوريس إله الآخرة، هكذا كان يفكّر المصرى القديم ببساطة وعفوية، وقد وجد راحته فى الدين، والتمس فيه العزاء، كما أن الدين بثّ فيه طاقة، فإذا ما ظلمه من هو أقوى منه وتجبّر عليه، اكتفى بأن يقول حسبى الله. 
فلا شك أن الدين عزاء، ولكنه قد تحوّل إلى تجارة لدى رجال الدين، وليس لدى المواطن العادى، وهذا ما دفع إخناتون للقيام بثورته، فإخناتون هو أمنحوتب الرابع، وحاكم مصر، الذى وجد أن الكهنة قد أصبحوا مراكز قوى فى المجتمع، فقال إن الإله واحد، هو آتون إله الشمس، وأغلق المعابد المعبّرة عن التعدّد، فلمّا مات، اجتمع الكهنة على ابنه ووقّعوا بيانًا قالوا فيه إن العدل قد عاد إلى الأرض، قبل أن يعيدوا الآلهة مجدّدًا ليتكسّبوا منها، ولكن فكرة الإله الواحد كانت حينئذٍ قد زُرعت فى أذهان الناس، ولذلك يُقال إن موسى تتلمذ على يد إخناتون، وبالفعل قد ظهرت اليهوديّة، أولى الديانات التوحيديّة، بعد إخناتون، معلنةً نضوج العقل البشرى الذى انتقل من التشخيص إلى التجريد بسبب إخناتون. 
فمشكلة الدين ليست فى الدين، وإنما فى من يُطلق عليهم رجال الدين، أولئك الذين استخدموه للتربّح. أمّا الدين فى ذاته، فهو فكرة عظيمة؛ لأن العقل بلا إيمان يتيه ويضل، ولذلك أضحك حين أرى البعض يهاجمون الملحدين، اتركوهم فى حالهم، فليس كل الملحدين لديهم القدرة على التواؤم مع الحياة إلّا إن كانوا علماء كبارًا.
■ متى شعرت بأن شخصيتك الفنيّة قد اكتملت، وأن صوتك قد تمّت تنقيته من الأصوات الأدبية التى تأثّرت بها؟
- على الكاتب أن ينسى كل ما قرأه حين يقرّر أن يكتب، وكل كاتب نقرأه، تبقى منه آثار غامضة فى خيالنا، وهذا لا يعنى أننا ننسى بسهولة؛ فأنا حين قرأت يوسف إدريس مثلًا، تلبّسنى بشكل كبير، وكنت حين أكتب قصّة أجده يطل علىّ منها، فتوقّفت عن الكتابة لمدة سنتين حتى أتخلّص منه.
فالكتّاب يشتركون غالبًا فى الأفكار الكبرى، ولكن هناك فرقًا بين الأفكار والأحداث التى تصنع العمل الأدبى، فليست هناك مشكلة فى تشابه الأفكار، ولكن لا يصح أن تتشابه الأحداث، ونحن حين نتحدّث عن القضايا الكبرى، نجدها واحدة على مدى التاريخ الإنسانى، منذ الفراعنة والملاحم اليونانية، يشغلنا الحب، والجنة، والخلود، تلك هى مشتركاتنا، ولكن على كل كاتب أن يصوّر بحثنا عن تلك القيم بطريقته الخاصّة، وأنا ألوم على بعض الشباب عدم قراءتهم بشكل كاف، عليهم أن يقرأوا، وأن يدرسوا الفلسفة؛ لأن الفلسفة ستمدّهم بأفق إنسانى واسع، وستضعهم فى القضايا الكبرى، وعلى كل كاتب فى النهاية أن يكون واثقًا فى نفسه.
■ الفنان بطبيعته فى حالة غربة دائمة.. كيف تواجه الرغبة فى الانسحاب من الحياة أحيانًا؟
- كل فنان موهوب، ولا أتحدّث عن الـ«مديوكر»، أو متوسّطى القيمة، هو فى توتّر وحالة عدم رضا دائمة، ونحن نسميه الكائن غير المتوافق مع المجتمع والحياة، وتلك الحالة تتفاقم بشدّة لدى بعض الفنانين، فيصل بهم الأمر للانتحار.
بالنسبة لى، أدخل نفسى فى حالة الانسحاب هذه يوميًا، أنسحب بعيدًا عن كل شىء فى العالم، وأخلو إلى الموسيقى وعالمى الخاص، وأبدأ فى القراءة والكتابة، فأنا أزج بنفسى فى تلك الحالة بشكل طبيعى. 
وهناك حالة أخرى أسمّيها «قفلة الكاتب»، أحيانًا تصيبنى تلك القفلة فلا أجد السبيل إلى الكتابة، وهى حالة تأخذ وقتها وتنتهى، لكن بالنسبة لحالة الانسحاب التى تتحدّث عنها، فأنا أبادرها قبل أن تبادرنى، وأدخل فى تلك الحالة غالبًا فى الليل، فالليل بالنسبة لى هو عالم آخر، هو العالم الذى أتوحّد فيه مع الموسيقى وشخصيات رواياتى. وهذه الحالة ضرورية فى الفن، فالفنان إذا ما توافق مع المجتمع، فسد، وضاع فنّه، فأنا مثلًا طول عمرى أكتب فى السياسة، وقد عملت بها، ولكنها لم تكن محطّة استقرار بالنسبة لى، فقط اكتسبت بعض الخبرات وتركتها، لم أسع لأن أصبح زعيمًا لحزب سياسى، فالفنان يعيش دومًا على هامش الحياة اليومية، وهو إذا ما اقتحمها، اقتحمها لأجل الخبرات لا أكثر. 
فى السبعينيات، كنت عضوًا فى الحزب الشيوعى المصرى مع الماركسيين، وتلك التجربة أكسبتنى خبرات كبيرة فى القراءة آنذاك، قرأت فى الاقتصاد، والتاريخ، وفى مجالات لم أكن قد تعمّقت فيها بعد، وفى اللحظة المناسبة تركت الحزب، قلت لنفسى إن هناك ألفًا يستطيعون كتابة منشورات، لكن ليس هناك الآلاف ممّن يكتبون الروايات، وخروجى لم يكن خسارة للحزب، وإنما كان مكسبًا لى. فما أريد قوله إن توافق الفنان مع المجتمع يحيله إلى «مديوكر»، يجعله شخصًا متوسّط القيمة، وهذا هو ما جعلنى لا أستمر فى المناصب التى شغلتها فى وزارة الثقافة، فهى تلتهم طاقتى ووقتى وتشغلنى عن الكتابة، وأى منصب أتولّى مسئوليته، حتى وإن ظللت فيه لسنوات، أتركه فى النهاية، غير أننا يجب أن نؤكّد أن هذا غير متاح للجميع.
الكاتب الكبير إبراهيم
الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد
■ مجموعتك الأولى كانت بها نبرة سياسية واضحة وقد تخلّصت منها فيما بعد.. ما العلاقة بين الفن والإيديولوچيا؟ وهل هناك «فن مؤدلج»؟ 
- هذا صحيح بالفعل. ففى فترة انضمامى للحزب الشيوعى كنت أكتب قصصًا أجد فيها تلك الأصوات السياسية، وأجد كلمات كالبروليتاريا مثلًا فى قلب القصّة، فأقوم بتقطيع القصّة وأتخلّص منها، وحتى روايتى الأولى، تضمّنت تلك الصبغة السياسية أيضًا، رغم أنها مقروءة جيدًا إلى الآن؛ لأن هناك شريحة كبيرة من القرّاء يحبّون الكتابات المباشرة، وهو أمر سلبى فى رأيى، لأن هذا النوع من الفن سيختفى بعد سنوات من إنجازه، لأنه لا يختلف عن المقالات فى شىء، والكتابة الفنيّة تختلف عن كتابة المقالات. الفن لديه رؤية أبعد، وعليه أن يعبّر عنها دون الالتزام بأى إيديولوچيا، أمّا الفن المؤدلج فيبقى فى المنطقة الوسطى دون أن يرتقى عنها.
■ تأثّرك بالفلسفة الوجودية بالذات.. هل سببه دراسة الفلسفة أم طبيعتك الشخصية؟
- الاثنان، دراسة الفلسفة كانت سببًا، بالإضافة إلى الأماكن التى عشت بها، كنت دومًا محاطًا بالغرباء، وحين تعيش فى مكان كلّه غرباء، تتشكّل لديك مباشرةً صورة الإنسان أمام الوجود، فتشعر بالغربة. حين ترى أناسًا لمرة واحدة، ثم لا تراهم مرّة أخرى، تشعر أن الكون كبير، وأن الإنسان ضئيل، وهذه إحدى أبرز المسائل التى تعالجها الفلسفة الوجودية. أنا عشت فى كرموز بالإسكندرية، وحينئذٍ كان عدد سكّان الإسكندرية قليل، بخلاف الآن.
كنّت حين أذهب إلى المنشية فى طفولتى، أرى الأجانب فى ملابسهم الأوروبية الجميلة، وسرعان ما يختفون بعد المرة الأولى التى أراهم فيها، وأعود لأرى الضيوف الذين أتوا من بلاد أخرى، أحدهم أتى ليبحث عن عمل، ولم يجد، فذهب، وآخر أتى ليبحث عن حبيبته، ولم يعثر عليها، فذهب، كنت أرى الكثير من الغرباء، فأشعر أن كل شىء عابر، وزائل، ولذلك تأثرت كثيرًا بالفلسفة الوجودية، وأكثر الروايات التى أحببتها هى روايات فلسفية وليست روايات عاديّة، «الغريب»، و«كاليجولا»، لـ«كامو»، و«صحراء التتار»، لدينو بوتزاتى، حين قرأتها فى الستينيات، غيّرت حياتى تمامًا، وهى رواية عدميّة بامتياز، ولكنها تصوّر للقارئ اللا جدوى واليأس على نحو جميل ورائع.
الكاتب الكبير إبراهيم
الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد في حواره لـ«البوابة»
■ ما سبب ابتعادنا عن نوبل؟ هل هى مشكلة ترجمة مثلًا؟
- الترجمة رائجة جدًا الآن، وحتى الأجيال الجديدة تترجَم، لكنى لا أجد تفسيرًا لابتعادنا عن نوبل، فالعالم العربى به كتّاب عظام فى الحقبة الحالية، ولهذا فليس لدىّ التفسير الواضح لابتعاد العالم العربى عن الجائزة. الرأى الرائج يقول إن الأسباب سياسيّة، فحين حصل عليها نجيب محفوظ مثلًا، البعض قال إن حصوله عليها جاء بسبب موافقته على «كامب ديفيد»، ولكنى أرى أن محفوظ كان يستحقها، وافق على كامب ديفيد أم لم يوافق.
وعلى ذكر محفوظ ينبغى أن نقول إن الحياة فى عصره كانت مستقرة ولا تعب فيها، فإذا ما حصلت على عمل تستطيع أن تعيش فى هدوء دون مشاكل، لكن بداية من السبعينيات وما هو لاحق عليها، على الإنسان أن يحظى بوظيفتين أو ثلاث، لا بد أن يعمل ليل نهار بسبب صعوبة الحياة، وحتى تشترى شقّة أصبح لزامًا عليك أن تسافر، فأصبح أمام الواحد طريق من اثنين، إمّا أن يستسلم لذلك النمط، أو أن يصبح فوضويًا وليحدث ما يحدث، وكنت أنا ممّن اختاروا الفوضوية. عودة إلى نوبل، فأنا لا أحب أن أدلى بدلوى فى هذا الموضوع، لأنى لا أملك المعلومات الكافية، ولكن بالتأكيد العالم العربى مظلوم بإبعاده عن الجائزة.
■ كيف ترى النقد حاليًا مقارنةً بالسنوات السابقة؟
- هناك دائمًا مستويات مختلفة من النقد فى كل عصر، أحد هذه المستويات، وهو بسيط وعظيم، هو عقد صلة بين العمل الفنى والقارئ، أو كما قال لى الناقد الكبير على الراعى- رحمه الله- حين كتب عنى مقالًا لأول مرّة فى عام ١٩٨٢، يعالج فيه رواية قصيرة اسمها «ليلة العشق والدم» بالنص: «يا إبراهيم أنا لا أكتب عن عمل سيئ، أنا أكتب فقط عن العمل الجيد، أسدى الجميل للكاتب مرّة أخرى، هو أمتعنى، فأمتع أنا بدورى القرّاء، لعقد الصلة بينكما». 
هذا النوع من النقد عظيم، ذلك النوع الذى يخلق حلقة الوصل بين القارئ والعمل الفنى، وهناك من ساروا على ذلك الدرب إلى الآن، كصلاح فضل الذى يأتى على رأس القائمة، ويسرى عبدالله، وشاكر عبدالحميد، وأسماء أخرى كثيرة، غير أن هناك نوعًا آخر من النقد، يحتاج أن ينظر بدقّة إلى أعمال هؤلاء الذين تحدّثنا عنهم، وأصحاب هذا النوع فى حاجة إلى استخراج أشكال جمالية وقيم أدبيّة جديدة من الكتابات الصادرة ليضيف إليها من رؤيته الخاصّة، فالنظريات النقديّة الجاهزة ليست كافية لقراءة النصوص وتأويلها، وإنما تجب الإضافة عليها، فهذا بالتحديد هو ما ينقصنا حاليًا.
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟