رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

المفكر التونسي محمد محجوب: لا تجديد لتراثنا الفقهي إلا برفض "قياس الحاضر على الماضي" وتأسيس قواعد فقهية تراعي ظروفنا المعيشية

الجمعة 16/فبراير/2018 - 09:58 م
المفكر التونسى محمد
المفكر التونسى محمد محجوب
حوار- محمد شعبان
طباعة
التنويريون العرب واقعون فى «التناقض» والظلاميون غارقون فى «المفارقة»
الدين تدبير للحياة فى اتجاه الخلاص الأخروى.. والدّولة تدبير للمدينة فى اتجاه السلم والحرية
أدعياء الديمقراطية والحرية فى العالم العربى ينتصرون للظلاميين ضد «الدولة»
«داعش» من صنع أعدائنا.. الغرب المسيحى عرف أحلك فترات الظلامية
تجديد الخطاب الدينى إعادة صياغة جذرية وعصرية للإيمان 
أبرز بل وأغرب ما يلحظه قارئ فى هذا الحوار هو أن المحاوَر «د. محمد محجوب» لم يجب على الأسئلة مباشرة - كما يحدث فى أى حوار صحفى- بل ساءل الأسئلة.. بمعنى أنه ذهب بالسؤال إلى السبب الداعى إليه.. فإذا كان السؤال عن الفرق بين مصطلح «تجديد الخطاب الدينى» وغيرها من المصطلحات المماثلة، تجد الدكتور محجوب يقول: هذه المصطلحات هى تعبير أو تجلٍ لسؤال أعمق فى عقل المسلم اليوم هو: كيف يمكننى أن أنتمى إلى دينى وإلى عصرى فى نفس الوقت؟... وهكذا على امتداد الحوار.
لكن إذا أردنا أن نلخص وجهة نظر المفكر التونسى الكبير د. محمد محجوب فيمكن أن نوجزها كما يلى:
تجديد الخطاب الدينى هو إعادة صياغة جذرية تتعلق بمعنى الإيمان ومختلف رمزياته... لا بد من إعادة قراءة تاريخنا وتراثنا وموروثاتنا وكلّ معاودة لقراءة التراث تنطلق من حاجة يعبّر عنها الحاضر لا لكى يتبيّن الحقيقة بل بحثا عن المعنى. وشدد أستاذ التأويلية بجامعة تونس على أن أهم مطلوباتنا اليوم إعمارُ فقرنا الروحى والفكرى والفلسفى والثّقافى إعمارا شأنه، دون غيره، أن يعطى معنى لفعلنا.
وعن رأيه فى فيما يشهده العالم العربى من تفاعلات سياسية قال محجوب: أغلب ما نلاحظه اليوم من الحراك السياسى ضمن المجتمعات العربية الإسلامية، يكاد يختزل الفعل السياسى والإرادة السياسية فى «برامج» سياسية أصولية. و برأى أستاذ تاريخ الفلسفة: داعش ماكينة أعدائنا، المصطنعة اصطناعا قبل أن تكون نتيجة لنصوص تراثية.. لا يغنى هذا الموجز عن قراءة د. محجوب فإلى نص الحوار:
■ مصطلح «تجديد الخطاب الدينى» هل ترون فارقا جوهريا بين هذا المصطلح ومصطلحات أخرى كانت تستخدم فى فترات سابقة مثل «قراءة التراث» و«الإصلاح الدينى» و«الاجتهاد»؟ 
- هذا المصطلح وغيره من المصطلحات الشبيهة التى أشرتم إليها هى فى الواقع تعبير عن حرج كبير بات يرافق وعى المتدين اليوم ويمكن صياغته كالتالي: كيف يمكننى أن أنتمى إلى دينى وإلى عصرى فى نفس الوقت؟ ومن هذه الناحية، ولما كانت هذه المصطلحات تعبيرات عن مهام تتعلق بنفس الحرج فإنها لا تختلف إلا من حيث المضامين حيث إن كل واحد منها يستحضر أسلوبا فى معالجة التفاوت بين الانتماء التاريخى للدين وعدم الانتماء التاريخى إلى الحاضر. ولعل خصوصية تجديد الخطاب الدينى تتمثل فى البحث عن مقاربة جديدة للتواصل حول الدين أعنى الاستجابة لبنى جديدة للفهم ولمعطيات طارئة على الدين. إلا أن اللافت فى هذا هو أن تجديد الخطاب الدينى قد يضطر الدين إلى إعادة صياغة جذرية تتعلق بمعنى الإيمان ومختلف رمزياته. 
■ ما تصوركم التفصيلى لما يجب أن يكون عليه «تجديد الخطاب الدينى» من حيث الأسس الفكرية؟ وهل إعادة القراءة هى الضرورة الملحة التى تفرض نفسها علينا كمهمة عصر؟ 
- لا بد من إعادة قراءة تاريخنا وتراثنا وموروثنا.. إنّ كلّ معاودة لقراءة التراث إنما تنطلق من حاجة يعبّر عنها الحاضر لا لكى يتبيّن الحقيقة ضمن ذلك التّاريخ وإنما لكى يكتشف داخله عمّا يمكنه أن يركبه إلى المستقبل، وأن يعاصر به الزّمان. ولذلك فإن الدّعوة إلى إعادة الكشف عن الفترات المظلمة هى دعوة إلى موضوعية نحتاجها اليوم لأنّنا اكتشفنا أنّ الموقف الآخر هو سبب خروجنا من التّاريخ. وفى تقديرى أنّ العودة إلى قراءة التّاريخ لم تخرج، بإجمال كبير جدا، عن اثنين: إمّا الاعتبار المُنمذِج، وإمّا الاعتبار المحقّق، الباحثُ عن الحقيقة الموضوعية. وهذان اعتباران غايتهما مضمون التّاريخ، أعنى مضمون الماضي، إمّا اتّباع له ابتغاء إعادته بكلّ أمانة، أو تخليص له ممّا علق به من الأساطير ابتغاء الحقيقة. والسؤال فى رأيى هو ما حاجتنا إلى الماضى؟ ولماذا العودة إلى التاريخ؟ إننّا نعود إلى التاريخ بحثا عن المعنى لا بحثا عن الحقيقة. فحتى الحقيقة لا تشفى غليلنا فى هذه الحال. ويعنى ذلك أن الحقيقة لا تكون حقيقة إلا متى أقدرتنا على الفهم، أى على إدراك المعنى. ومثل هذا الإدراك تأويلي، أى أنّ المعرفة التى ندركها من العلاقة بالماضى وبالتّاريخ إنما هى معرفة نعيد بها سرد قصّة أنفسنا على أنفسنا. وعندما أتحدث عن القصة فإنى أعى ما أقول. إنى أعنى ضربا من «الشهرزادية» التى تسوّغ (أى تعطي، أو تجدّد،) معنى فعلنا اليومي، أى التى تملأ الفضاء الذى يفصل كل يوم بين العزم والفعل. فكلّما ظلّ هذا الفضاء غير معمور، غير آهل، تكلّم فينا الفعل بلا معنى، أى كان فعلُنا ممارسة يوميّةً للعدم. ويعنى ذلك خاصّة أن أؤكد مطلوباتنا اليوم إعمارُ الفقر الروحى والفكرى والفلسفى والثّقافى، إعمارا شأنه، دون غيره، أن يعطى معنى لفعلنا. إنّ عدميتنا باتت اليوم فضيحة الفعل بدون معنى. وعندما يتعمّق المرء فى قراءة تاريخ أمم أخرى، بما فى ذلك الصّين، لا الغرب فقط، فإنّه يجد أن تاريخ الفكر لم يكن إلا تاريخ تسويغ الفعل، أى الإقامة الثّقافية، بل دعنى أقول بدون وجل وبكلّ صراحة، الإقامة الفلسفيّة، للعالم الذى يكون فيه الفعل. لا بدّ أن تعمل بلداننا اليوم على أن «تؤثّم» الوعى اليومى الذى يتوهّم الفعل ممكنا بدون معنى. إنّ حاجتنا اليوم هي، أكثر من أى وقت آخر، حاجة إلى شعب يفكر. 
معرفة الماضى تبتغى إذن جوابا عن سؤال الهوية، وكلّما أدركنا «حقيقة» التّاريخ أجبنا عن الهوية التى هى نحن، أى أقمنا علاقة فهم بأنفسنا تتأسّس على التّسويغ الذى تُمكّننا منه تلك المعرفة. ليس لمعرفة الماضي، إذن، من غاية غير الفهم. فإذا كانت مثُلنا وقيمُنا فى مأزق النِّهاية، كان علينا أن نسأل هل تتقوّم مثُلنا وقيمنا تلك بمضامينها التى لم تعد تحتملنا أم بمعناها الذى يمكن به الإقامة فى كل عصر؟ إنّ قراءة الماضى لا بدّ أن تتمثّل إمكان الماضى الذى نحصّله من تأويله لا واقعيته التى تعطيها معرفته التاريخية. ولذلك فإن ما يلفتنى فى سؤالك هو عبارة «إعادة القراءة»، التى أفهمها على أنها استنقاذ للإمكان. ولكن، فى هذه الحال، فإن الفترات الذهبية والفترات المعتّمة لا تتفاضل فى منظور القراءة إلا من جهة ما تعطيه من الإمكان لإقامة أخرى اليوم وهنا، أعنى إقامةً يمكن فيها للإنسان أن يجد نفسه فاعلا ذا غاية، وعارفا ذا مرجعية، ومقيما ذا وطن. إننا بتنا بلا أوطان. وليس أعسر من أن تبنى وطنا حين يختصر التاريخ والجغرافيا كلَّ المسافات. 
■ هل تعتقدون أن خلق مجتمع صناعى متطور فى عالمنا العربى كفيل بتجديد الخطاب الدينى دون اجتهادات فكرية كما حدث مثلا فى ماليزيا وإندونيسيا حيث إنها تخضع لنفس الموروث «الدينى- الثقافى» الذى يخضع له العالم العربى لكنها أفلتت منه بعملية تصنيع وتحديث؟
- لا أعتقد ذلك.. إنّ الحداثة شيء مختلف تماما عن الأشياء التى تملأ العالم. ولكن المثال الذى ضربته مفيد لأن التغيير الصناعى الذى وصفته قد تمثل أساسا فى تغيير العلاقات بين الأفراد وتغيير التصور الاجتماعى للزمان. إن التحديث الذى ننشده هو تحديث قائم على الحرية لا على فرض منطق الانضباط. ولذلك لا بد أن يصبح أنموذج المجتمع الصناعى مرغوبا فيه حتى يتمثله المجتمع ويقبل أن يتغير وفقه. التغيير يقتضى إذن تغيير منزلة الإنسان وتحديدا تغيير تمثل الإنسان لمنزلته وهذا أمر لا يكون إلا بفهم جديد، لا بآلة جديدة. 
■ لو سلمنا بفرضية أن عملية التجديد الدينى فى عصرنا الحديث بدأت مع الشيخ محمد عبده والمصلحين، بحكم قراءتكم لواقعنا الحالى ما الأمور أو المسائل التى غابت عن رؤية الإصلاح التجديدية؟
- دعنى أفهم من سؤالك أنك تقصد أنها فشلت فى إرساء دعائم مجتمعات عربية إسلامية حديثة على وجه الخصوص. إنّ بعض عناصر الإجابة عن هذا السّؤال متضمّنة فى ما تقدّم. فلا بدّ لنا أن نفهم أنّه لا يمكننا أن نُراوغ مفهوم الحداثة، فضلا عن حدث الحداثة. إن حركة النّهضة العربيّة قد اتّسمت منذ القرن التّاسع عشر فى المشرق والمغرب العربيّين بشجاعة كبرى. ولكنّها لم تجرؤ على طرح الفصل المنهجى والواعى بين التّشريع الذى يخضع إلى مقتضيات اجتماعيّة ومدنيّة صرفة، وبين المعتقد، الذى يتّسم بمعياريّة كلّيّة، أى بمعياريّة لا تعتبر ضرورة النّسبيّة التّاريخيّة للمجتمعات.
ولقد شخّص كثيرون من قبلى هذا الأمر. ولا فائدة من إعادة التّشخيص. لذلك فإنّى سألتمسُ لنفسى طريقا أخرى للإجابة.
■ وما هو؟
-لا بدّ أن نُدرك أنّ منطق تطوّر الأشياء يؤدّى بضرب من التّأثير الرّاجع إلى تطوّر العقول والذّهنيات. والموقف الدّاعى إلى قصر الحداثة على حداثة الأشياء يفاجئه دائما أنَّ حداثة الأشياء تؤدِّى إلى حداثة العقول. وأنا أعتقد أنّ فشل مشاريع النّهضة العربيّة يرجع إلى عدم قدرة عبارتها السياسية على استيعاب التحدُّث الضرورى للعقول الذى نجم عن صدمة الحداثة، وبالتّالى إلى عدم قدرتها على الاعتراف بسليلها الطّبيعى بل بسليلها المنشود.
إنّ أغلب ما نلاحظه اليوم من الحراك السياسى ضمن المجتمعات العربية الإسلامية، يكاد يختزل الفعل السياسى والإرادة السياسية فى «برامج» سياسية أصولية. وأغربُ ما فى الأمر أنّ هذه البرامج قد وُلدت فى صلب مشاريع حداثية متفاوتة. فكأنما الحداثةُ قد أنجبت من عين عنصرها نقائضها.
■ كل حديث عن التجديد يقودنا حتما إلى الموقف من التراث بايجاز شديد ما الأسس التى ينبغى أن تكون حاضرة عند قراءتنا للتراث الفقهى والعقائدى واللغوى والأخلاقى.. بمعنى آخر هل ترون أن مثلا المجال الفقهى هو سبب اغتراب المسلمين عن العصر أم أن باقى ميادين التراث تحتاج هى الأخرى إلى المراجعة؟
- يمكن النظر إلى المدونة الفقهية على أنها مؤشر على العبقرية القانونية لأجدادنا، لكننا ننسى دائما أن الفقه وحتى أصول الفقه هى منظومات مشتقة من نظر أصلى هو جوهر النظر التشريعى الذى يعى بشروط الوجود الإنسانى وبتاريخ المجتمعات وطبائعها وتقسيماتها إلخ. ولذلك فهو نظر معلق إلى ضرب من الفلسفة التشريعية. 
ومن جهة ثانية فإن أهم مشكل يؤاخذ به التفكير الفقهى هو أنه نظر تطبيقى تتشكل فيه مهمة التقدير واتخاذ قرار مطابقة الأحكام الفقهية لتكييفات الظرف والحالات الجزئية التى يتعلق الأمر بقياسها بالنظر إلى مبدأ فقهي. يمكننا إذن صياغة سؤال إعادة قراءة التراث الفقهى كما يلي:
١. كيف يمكن اعتبار السياق الروحى للفقه الإسلامى سياقا روحيا عاما يمكن من خلاله طرح أسئلة الوجود الإنسانى على مستوى كلى يتجاوز إطار القياس الخانق «أعنى أن حقيقة الإنسان ليست معطاة، ولا مستوفاة ضمن التصور الإسلامى القديم».
٢. كيف يمكن استحداث الوعى التاريخى والإنسانى لأول مرة ضمن التقدير الفقهي؟ ثمة إذن حاجة تأويلية حقيقية لدى المشغل الفقهى الإسلامي. وما دمنا لم نتمثل ضرورة هذا المشغل ومداه فإننا سنظل فقط داخل منظومة فقهية تقليدية. 
التراث الفقهى هو إذا فى حاجة لإعادة القراءة. ولكن مشكل إعادة قراءة التراث الفقهى هو مشكل تقنى يتعلق بإحكام آلية التطبيق.. وهو أمر يتفنن فقهاؤنا فى التعامى عنه لأنهم يبالغون فى قياس الحاضر على الماضى وفى تسويغ نفس القواعد الفقهية لظروف معيشية متبدلة. ومن جهة أخرى فهو ليس مجرد مشكل تقنى بل يستدعى استحضار فلسفة للتاريخ وفلسفة للإنسان لا نظن فقهاءنا إلا مهملين لها إهمالا تاما. 
■ كيف ترون علاقة الدولة بعملية التجديد هل ينبغى أن تكون عملية التجديد بمعزل عن الدولة؟ أم يجب أن تتبناها الأنظمة العربية؟
- إن واقع المجتمعات العربية اليوم واقع انفصام روحى عنيد ففيه الطبقات المستنيرة التى تمثّلت جوهر الدّعوة التجديدية العربية ونهلت من منابعها الغربية ولاسيما الأوروبية. وهى تعيش ضربا من التناقض اليومي، حيث تنتصر، من ناحية، للعبارة السياسيّة للنّهضة (أعنى مؤسّسات الدّول) من حيث المشروع، فتساند تحديث المدرسة، وتحديث البنى العقلية، وترجمة الفكر والعلوم، وتناصر تحرّر المرأة.. ولكنّها، من ناحية ثانية، تشتكي، فى شقاء، من صيغ الحكم التى تنفرد بالقرار، وأساليب الإدارة التى تسهو عن أنّ العقول قد نمت وترشّدت واشتدّ عودها بما يسوِّغ التّعويل عليها والتّفويض لها.
- وفيه الطّبقات الظلامية (بمختلف حلوكاتها ذات اليمين وذات اليسار) التى تلقّت مضامين التجديد وتعاملت بأشيائها تعامل كلّ يوم. ولكنّها تعيش هى أيضا ضربا من المفارقة اليوميّة، إذ تماهت مع صيغ الحكم الاستبدادية السّائدة وأساليب الإدارة الجارية، فناهضت حداثة المدرسة، وانغلقت عن روح العلم التحررية، ورفضت كل فكر تنويرى تحرّري، وقامت ضد حرية المرأة.. ولعمرى إنها فى كل ذلك، عن وعى أو عن غير وعي، لفى أطوَع أوضاع التواصل والاسترسال مع جوهر السّياسة السّائدة، فليس من جوهر بعض السّياسات الاستبدادية السّائدة أن تُحدَّث المدرسة، ولا أن يصبح العلم معيارا، ولا أن تكون حرية الفكر ممارسة متاحة فى الطّريق. 
هكذا المجتمعات العربية اليوم انفصام على انفصام. بعضها مع مشروع النّهضة والتجديد اللذين تمثلهما الدولة، ولكنّه ضدّ الممارسة الاستبدادية التى تمثلها الدولة أيضا، فينتصر، ضدّ الدولة، للدّيمقراطية والحرية ممارسةً تتماشى مع روح الحداثة والنّهضة التى تمثلها، مع ذلك، الدّولة هى هي. وبعضُها مع الممارسة ولكنّه ضدّ المشروع، فينتصر، ضدّ الدولة، لفكر الظّلامية والأصوليّة، روحا يتماشى مع واقع الممارسة الاستبدادية التى تمثّلها الدولة هى هى أيضا.
■ ألا ترون أن تقديم نموذج محدد للتجديد يعنى عمليا استبعاد الرؤى التى لا تؤمن بهذا التصور ومن ثم تصبح عملية التجديد سلطة استبعادية لأطياف أو لتيار محدد فى المجتمع؟
- لا أرى ذلك... فإما الانتماء إلى العالم وإما الإعراض عنه إلى الماضى والهويات القاتلة. بقى أن العالم يعرض نماذج مختلفة للتجديد. ولكن هل سنعتبر حقوق الإنسان مسألة نموذج تحديثى؟ هل سنعتبر كرامة المرأة مسألة محلية؟ ثمة أمور مبدئية وثمة تكييف ثقافى ولغوى وحضاري. ولكن لا تنازل عن الجوهريات. 
يرتبط الحديث بالتجديد فى هذه الأيام بالحديث عن داعش وأخواتها الذى يفجر مفارقة شبيهة بالمفارقات اليونانية القديمة وهى: إذا كانت داعش نتيجة حتمية للتراث الفقهى فلماذا لم تظهر سوى الآن ولم تظهر فى عصور سابقة؟ وإذا كان التراث بريئا من الحالة الداعشية فكيف نفسر النصوص التراثية التى يستند إليها هذا التنظيم؟
- لكل عصر دواعشه.. وحتى الغرب المسيحى قد عرف أحلك فترات الإرهاب والظلامية. ينبغى الوقوف فى وجه الدواعش وعلى الدول تحمل مسئولياتها بعدم الخضوع إلى أجندات تستخدم هؤلاء استخداما. لذلك فإنى أرى أن داعش آلة جهنمية ولكن لا شيء فيها طبيعى ؛ لا شيء فيها وليد ظروف أو نتيجة عوامل. بل كل شيء فيها من أجل استحداث ظروف، وخلق واقع جديد. إنها ماكينة أعدائنا، المصطنعة اصطناعا. 
■ تظل علاقة الإسلام بالسياسة هى المشكلة الأبرز فى عالمنا العربى كيف يمكن التوفيق بين نصوص دينية تقدم رؤى سياسية عامة ومطالب عصرية ترفض قيام السياسة على أساس دينى؟
- الدين تدبير للحياة فى اتجاه الخلاص، أى من جهة كونها إفضاء إلى الآخرة. والدّولة تدبير للمدينة فى اتّجاه السّلم والحرّية، أى من جهة كونها فضاء للتوازن المنظَّم بين الإرادات فى حال من أحوالها. وينشأ المشكل عندما يريدُ الدّين تدبير المدينة أى عندما يريدُ فرض «السّعادة» غايةً للوجود المدني.
واعتبارا لما تقدّم من ضرورة عدم الزّجّ بالدّين ضمن السياسة لأن مثل هذا الزّج هو تلاعب بآمال النّاس وتشريط لأفعالهم السّياسية بالغايات الأخروية لـ«النجاة»، و«الفلاح»، و«الخلاص»، وبالقيم الماورائية لـ «الحقيقة» و«الخير» إلخ.، فإنّ علاقة الدّولة بالدّين إنما تتمثّل فى ضمان الممارسة الحرّة للمعتقد الشّخصى فى الحدود التى تنتهى عند بداية الشّأن العامّ، الذى قد لا يُجمِع بالضَّرورة على معتقد واحد.


محمد محجوب فى سطور

أ.د. محمد محجوب، مفكر وجامعى تونسي، أستاذ التعليم العالى فى اختصاص التأويلية وتاريخ الفلسفة ونظريات الترجمة فى جامعة تونس. عميد ومدير لعدة مؤسسات جامعية ومدير مؤسس للمركز الوطنى للترجمة فى تونس. أسس وأدار عدة مجلات فلسفية. اهتم منذ الثمانينيات بمسألة القراءة والتلقى فى تاريخ الفلسفة وخاصة بين مبتدأ الفلسفة عند اليونان ومنتهاها عند الفلاسفة الألمان. أصدر جملة من الكتب والمقالات فى تاريخ الفلسفة اليونانية والعربية والألمانية (أفلاطون – هيدغر – الفارابي...)، كما اهتم بالترجمة فترجم ونشر عدة نصوص فلسفية أساسية لأفلاطون وأرسطو وجان جاك روسو «محاولة فى أصل اللغات» وهيوم «تحقيق فى الذهن البشرى» وريكور «مقالات ومحاضرات فى التأويلية» ومرلوبونتى «تقريظ الحكمة». 

"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟