رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
ads
ads
ad ad ad ad

لاجئون سوريون في فرنسا: العودة لبلدنا حلم جميل.. جورجيت وزوجها بقايا أسرة مشتتة احتضنتها باريس.. مواقع التواصل وسيلتنا لمعرفة أخبار الأهل

الإثنين 11/ديسمبر/2017 - 09:40 م
السيدة «جورجيت» في
السيدة «جورجيت» في حوارها مع البوابة
من باريس: أسنات إبراهيم
طباعة
تستقبلنى بقلب الحى اللاتينى بباريس والابتسامة تملأ وجهها، لا تكف عن الضحك والتنكيت نتجول بالشارع وتقوم هى بدورها بالإرشاد السياحى لتعرفنى على معالم الحي، تبهرها جامعة «السربون الفرنسية» نقف قليلًا أمامها وهى بدورها تشيد بالعمارة ناهيك عن العلم الذى يقدم داخل الجامعة.
تسير بخطى شامخة متسقة القوام أنيقة ببزة من الفرو الغالى الثمن، بالكاد تفرق بينها وبين الفرنسيات، تسرع الخطوات، فهى على موعد لمتابعة أحد ماتشات كرة القدم، والتى تعشقها بجنون، فى واقع الأمر أخذ الشك يراودنى، فقد أتيت لأتقابل مع سيدة فى الستينات من اللاجئات السوريات، وما أشاهده هو سيدة لا تبالى بكل ما يحدث فى الحياة، وأقصى متطلباتها «كوز عرنوس محروق».
للحظة اتخذت قرار المعايشة مع هذه السيدة ومع أسرتها التى هربت من سوريا لأرض فرنسا لمعرفة المزيد عن معاناة هؤلاء فى دول لم تكن يومًا يخطر فى بالهم زيارتها، لا الإقامة فيها وترك جذورهم وأوطانهم.. 
بعد خطوات تعلن «ها قد وصلنا للمنزل»، ندخل من باب كبير لمبنى عظيم يتضح لى أنه تابع لـ«الكنيسة الكاثوليكية»، والتى تستقبل اللاجئين بفرنسا، وفى مدخل المبنى عدد كبير من الحقائب تشير إليها السيدة «جورجيت» وتقول الجمعة المقبل من المقرر أن يكون هنا معرض اقتصادى، تنظمه الكنيسة للجميع، وتأخذ فى الضحك وتزيد، وهى تشير إلى «جاكت الفرو» الذى ترتديه لقد اشتريته من هذا المعرض منذ فترة قليلة.
نص الحوار:
■ ما هى حكايتك مع الجولان؟
- كان عمرى عشر سنوات واستيقظت من النوم لأجد قوات الشرطة السورية، تحثنا على سرعة الهروب، فقد احتلت إسرائيل «الجولان»، وكنت أعيش فى جبل الشيخ بإلترا، والتى كانت تتميز بجوها البارد، قبل أن تحملنا الشاحنات، ولم ولن تمحى من ذاكرتى تلك اللحظات، والتى تركنا فيها كل ما نملك وأرض ميلادنا، لنهرب إلى حينا، واستقررنا هناك اليوم بأكمله، وفى اليوم الثانى بدأ الجوع يطاردنا، فعدنا إلى إلترا مسقط رأسى فقد كانت عبارة عن «فلل» منازل ملحقة بحديقة، وبها طيور كثيرة.
وجوعنا جعل والدى يخاطر بحياته، فعاد إلى حديقتنا بعد أن تم توقيفه ليحضر لنا الدجاج لنأكله، وبعد هذه اللحظة انقطعت صلتنا بمنزلنا القديم وملابسنا وألعابنا ودجاج حديقتنا، وبدأ أبى من الصفر وهو معه عدد من الأطفال فى رقبته، ولم يتخل يومًا عن حلم الرجوع إلى بيته.
وبعد أن وصلنا إلى سوريا تم توزيعنا على المدارس والكنائس لنعيش فيها، وكانت قرعتنا بمنطقة «الميدان»، وهناك وجدنا كنيسة مهجورة اتخذنا منها مسكنا، وعشنا نحن الخمس بنات وولد، وعليه اضطر أخى إلى أن يترك المدرسة ليساعد والدى فى تربيتنا، فسافر إلى لبنان، وهناك تعلم الحياكة، ومن لبنان سافر إلى الإمارات ليستكمل مسيرته، وتعذب أخى حتى نستطيع أن نستكمل دراستنا فتخرجنا جميعًا من الجامعات، وهو لم يستكمل تعليمه.
لم تكن وظيفة أبى تكفى لتعليمنا، والتى كانت بالكاد تساعده على أن يوفر لنا الطعام، ولم يستطع أبى أن يوفر لنا منزلا لنعيش فيه، فظللنا فى ضيافة الكنيسة لأكثر من عشر سنوات إلى أن التحقت بالجامعة.
وهنا لحقت أختى الكبيرة بأخى فى الإمارات، واللذين عملا حتى وفرا لنا ثمن منزل، وظل أبى عالقا فى حلم الرجوع إلى حديقة التفاح التى ذرعها بيده، ويعود إلى منزله الكبير، ولم يفقد أمله، بل زاد أخى على حلم أبى حلمه بعمل مزرعة كبيرة بالجولان، عاش أبى متأملا الرجوع، مثلما نحن متأملون. واليوم أنا أشكر الله أن والدى مات قبل أن يرى ما حدث بسوريا، فقد تفككت كل العائلات.

■ ماذا عن عائلتك بعد اندلاع الحرب بسوريا؟
- تشتتت عائلتى تمامًا، فقد تقدم أخى بطلب الهجرة إلى كندا، وتم قبوله، ولكن الأزمة أن بناته الثلاث عانين ولم يقبلن وقمن بالتقديم للجوء بالسويد، وفى النهاية تم قبول اثنتين للجوء بالسويد، وظلت الثالثة عالقة بسوريا، وقلب أخى ممزق عليهما، أما أختى سافرت للبرازيل وأخرى بفرنسا وأمريكا والإمارات، ولكن أولادهما تشتتوا، فلم يعد يجمع السوريين سوى صفحات التواصل الاجتماعى «فيس بوك»، والتى أصبحت الملاذ الوحيد لنا لنلتقى ونعرف أخبار بعضنا البعض.

■ ما الذى حدث مع أسرتك؟ 
- أنا لدى ولدان وبنت تقدمنا جميعًا للجوء إلى فرنسا، ولكن مع الأسف تم قبولى أنا وزوجى ورفض لجوء أولادي، وقبلها كنا نقيم بالإمارات، ولكن لم يتم تمديد الإقامة هناك، وابنى الكبير سافر كلاجئ إلى كندا بعد أن كان طالبا بكلية الهندسة، وسبقنى زوجى إلى فرنسا ولحقت به، بعد أن حاولت أن ألجأ إلى كندا، لأكون مع ابنى، ولكن تم رفضي، فحاولت بفرنسا، ولكن اليوم لا يوجد لم شمل لأسرتى، فلم أستطع أن ألتقى بأبنائي، فأبنى الثانى سافر إلى الإمارات وتخرج فى كلية الهندسة.
ابنتى تعيش اليوم بلبنان، وتمت خطبتها، ونحن عائلتها لا نعرف زوجها المستقبلى ولا عائلته، وتحلم ابنتى بأن نحضر زفافها، ولكن مع الأسف الشديد لا نستطيع السفر إلى هناك، فلا نمتلك جوازات سفر، لأننا لاجئون وتم أخذ الجوازات منا فور الوصول، وما نمتلكه هو وثيقة لا يمكننا السفر بها.
حاولت ابنتى وزوجها المستقبلى القدوم إلى فرنسا وإتمام زفافها، ولكن مع الأسف تم رفضهما، تقولها ويمتزج الحزن بابتسامة موجعة «بنتى راح تتزوج لحالها».

يقاطعها زوجها ويقول: إن عائلته لم تتمكن من السفر إلى أوروبا، فقد لجأت للسفر إلى غينيا لدى شقيق معه بنتان، وأتواصل معهم من خلال الإنترنت وحالتهم سيئة جدًا، فعندما مرض أخى لم يكن هناك طبيب بالبلدة التى يعيشون فيها، فاضطر وهو مريض أن يسافر إلى بلد أخرى، وأخر سافر إلى نيجيريا وأخر إلى السنغال، وها قد تشتت كل عائلتى جراء الحرب فى سوريا.
■ وماذا عن جذوركم فى سوريا؟
- ينخفض صوت جورجيت، وتنظر بوجهها إلى الأرض وتزيد «أمى تعيش إلى اليوم بالشام، ولكن مع الأسف الشديد لا يمكننى أن أراها، أمى فى مكان خطر، ومن الممكن أن تطالها تلك القنابل، وتزيد أعانى من أرق فى النوم، فلا تغمض عينى طوال الليل أتابع الأحداث فقد تموت أمى المسنة فى أى لحظة، وأنا أعيش فى آخر الدنيا، قلبى معتصر ما بين أبنائى وأخواتى، والأكثر وجع هو «أمى التى تعيش فى قلب الخطر ولا يمكن أن تخرج من هناك».
■ كيف ترين مستقبل سوريا؟
- ما زال لدينا حلم العودة إلى سوريا، ولكن هل ستعود سوريا؟ هذا هو اللغز والظلام الذى يخيم على صدورنا، فالطوائف الكثيرة والتفكك قد يعوق عودة سوريا، ولا أحد يعرف إلا الله، هو الذى يعلم المستقبل وبيده كل شىء، وهناك مطالبات بالتقسيم ما بين أكراد وسنة وعلوية، والأكراد بمساعدة أمريكا حرروا الرقة، واستحوذوا عليها، وتركيا احتلت إدلب بحجة حماية حدودها من الأكراد، وفى النهاية لا يدفع ثمن السياسة إلا عائلات كل حلمها «لم الشمل».

■ كيف بدأت رحلتكم بفرنسا؟
- بدأنا رحلة المجهول، فنحن لا نجيد اللغة الفرنسية، يقول موريس وكنت أعيش مع عدد من اللاجئين فى حجرة فى ضواحى باريس، وكانت زوجتى تعيش فى منزل أختها الصغير، وكنا نلتقى ما بين الحين والحين، وفى محطة المترو ثم نفترق، فأنا أعيش فى الجنوب وهى فى الشمال، تخيلى معى أننا فى هذه السن كنا نفترق لأنه لا يوجد لنا مسكن يجمعنا، شىء مؤلم.
وحاولنا أن نجد بيتا صغيرا بإيجار معقول، يمكننا أن نعيش معًا، ولكن للأسف الإيجار بفرنسا شيء صعب والمبالغ المطلوبة أصعب، وكون أننا سوريون، فكان شبه مستحيل أن يجازف أحد بعقاره ويقوم بتأجيره لنا.

■ ماذا عن دور الكنيسة فى فرنسا؟
- فى هذه الأثناء قمت بالتوجه إلى الكنيسة للصلاة والسؤال عن منزل للإيجار، وكانت الصدفة أن يرشدنى قس الكنيسة الإنجيلية بأبو ظبى، وقال لى تواصلوا مع السيدة أمانى أرمانيوس وهى فرنسية من أصل مصرى، والتى فتحت لنا أبواب بيتها واستضافتنا فى منزلها، وهذا كان لنا مثل الحلم الجميل، إنه ما زال هناك أناس يساعدون إخوتهم، فهى احتوتنا ودبرت لنا مسكنا مرتبا ونظيفا بالقرب من كنيسة النوتردام.
والمحطة الأخيرة كانت هنا فى الكنيسة، وقد ذهبت فى أحد الأيام لأشاهد أحد بيوت الكنيسة، ولكنى بكيت فى تلك اللحظة، فقد كان مقسما إلى غرف صغيرة يفصل بين العائلة والأخرى جدار، تشبه السجن ولم أستطع أن أتقبل هذا.
وتقاطعه جورجيت، كنا نضطر أن نلتقى بالخارج، وفى أحد الأيام تهت فى الزحام، ولم يكن معى تليفون محمول، حتى يتمكن زوجى من الوصول لى، وأنا لا أعرف كلمة واحدة بالفرنسية، حتى أطلب المساعدة من أحد، وقضيت هذا اليوم فى التوهان بين شوارع ومحطات مترو باريس، وما زال الموقف عالقا بذهنى، فبرودة الجو مع الطرقات شىء يبكى.

وأضافت البداية كانت صعبة وتركت كثيرا من آلالام فى نفسى، وتقول ضاحكة، كل من هم فى مثل عمرنا اليوم من المفترض أن يكونوا «متقاعدين»، ولكن فى هذه السن نبدأ من الصفر، هذا أمر مميت، فحتى تعلم اللغة والذى تشترطه الحكومة الفرنسية على مُسنة مثلى، وأن كان يبدو شيئا بسيطا، لكنه يترك فى قلبى وجعا مريرا، فكيف لى أن أتعلم اليوم لغة جديدة وأنا قلبى معتصر؟ فحياتنا انقلبت فى الوقت الذى كنا نستعد فيه للراحة بعد سنوات من العمل المتواصل وتأمين مستقبلنا.

■ ما الوظائف التى عُرضت عليك هنا فى باريس؟
- يتم إرسال عدد من عروض العمل، منها ما يضحك ويبكى، مثل «سكرتيرة محام»، والمطلوب منى الرد على البريد الإلكترونى والتليفون، وتقول بعصبية، كيف لى أن أقوم بهذا العمل وأنا لا أعرف اللغة الفرنسية؟ وحتى أتعلم اللغة الحكومة تعطينا منحة شهرًا لتعلم اللغة، وتضيف بتعجب «كيف لى أن أتعلم اللغة فى شهر؟!، فأنا أحب العمل، ولكن اللغة تقف معوقا أمامى، فبالنسبة لى اللغة صعبة، ولكنى أجيد الإنجليزية وأتمنى أن أجد عملا باللغة الإنجليزية فقط، وإن كنت أعلم أن هذا مستحيل.

■ ماذا عن العقبات التى تعرضتم لها؟
- فى فرنسا لم نتعرض لشىء، ولكن الوجع هو فى تعب عمرنا الذى هو قبض الريح، فقد كنا نمتلك منزلا جميلا بالشام، نأمل أن نختتم حياتنا به بعد بلوغنا سن التقاعد، ولكن لم تأت الريح كما تشتهى السفن، فأكثر شىء يوجعنى اليوم بعد أولادى، وأن نبدأ من الصفر حتى ملابسنا تركناها، فأنا اليوم أبتاع كل شيء من جديد وكل سنوات عمرنا ضاعت بلا جدوى، ولكن نشكر الله على هذه الحالة، واليوم التحدى أننا فى هذا المكان لدينا ستة أشهر ومن بعدها سوف نواجه مصيرا مجهولا، فأنا لا أستطيع أن أشترى شيئا مع هذا المصير المجهول، وفى حالة التنقل من مكان لآخر هذا مكلف جدًا، فنحن نعيش حياة الرحالة، نحاول أن نكون بلا أغراض تعطلنا عن المسير، ولكن هذا فى حد ذاته مؤلم.

* ما هى أمنياتكم فى نهاية الحوار؟
- أتمنى أن يحدد الله المكان والزمان،حتى أرى أولادى، هذا حلمي، ولكنى أشكر الله لأنه بالرغم من أننى لا أستطيع رؤيتهم، ولكنهم ما زالوا على قيد الحياة، فالموت أصبح حدثا يوميا طبيعيا بسوريا، فكل يوم يفقد أحدهم حياته.
ويقول موريس مازال عندى أمل العودة للوطن سوريا وجمع شمل عائلتى بعد هذا العناء الطويل، وألا يكون حلمنا بسوريا مثل حلم الجولان.
وعندى رسالة أريد أن أوجهها لهؤلاء الذين يوجهون اللوم للدول الأوروبية بحجة معاملة اللاجئين بشكل سىء وتغلق أبوابها فى وجههم، فإن هذه الدول فتحت أبوابها لنا فى ظل دول عربية أغلقت الباب فى وجوهنا.

"
هل تتوقع نجاح أجهزة الدولة في حجب لعبة "الحوت الأزرق" القاتلة؟

هل تتوقع نجاح أجهزة الدولة في حجب لعبة "الحوت الأزرق" القاتلة؟