رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

الهويات القاتلة.. عقود من الدماء

السبت 28/أكتوبر/2017 - 02:15 م
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
أحمد صوان
طباعة

"يحدث لي أحيانًا أن أقوم بما أدعوه "امتحان هويتي" كما يمتحن الآخرون ضميرهم.. وليست غايتي أن أجد في قرارة نفسي انتماءً أساسيًا يمكن لي أن أتماهى معه.. بل اعتمد الطريقة العكسية، فأنبش في ذاكرتي باحثًا عن اكبر عدد من عناصر هويتي، وأقوم بجمعها ورصفها ولا أتنكر لأحدها"..

كتاب الهويات القاتلة
كتاب "الهويات القاتلة"

يوجد في كل العصور أناس يعتبرون أن هناك انتماءً واحدًا مسيطرًا يفوق كل الانتماءات الأخرى، يُمكن اعتباره "هوية"، تختلف في تعريفاتها بين البعض والبعض الآخر، فهو الوطن أو الدين أو العرق؛ لكن - في الوقت نفسه - فإن هناك الكثير من الصراعات التي تدور حول العالم لتؤكد أن أي انتماءٍ لا يسود بشكل مطلق.

وأشار الكاتب اللبناني- الفرنسي الجنسية أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة"، إلى أنه حين يشعر الناس أنهم مهددون في عقيدتهم يبدو أن الانتماء الديني هو الذي يختزل هويتهم كلها، لكن لو كانت لغتهم الأم ومجموعتهم الإثنية هي المهددة لقاتلوا بعنف ضد إخوتهم في الدين، فالأتراك والأكراد كلاهما مسلم ولكنهما يختلفان في اللغة، وكذا الحال بين الأكراد والإيرانيين أو السوريين أو العراقيين، وهي المناطق الأربع التي تضع الدولة الكردية الساعية للانفصال تكوين أجزائها عبرها.

ولفت معلوف، في كتابه إلى أن الهوية ليست بناء وحيد ونهائي، بل هو بناء لين قابل للتطور والتغير والتمدد؛ أما التهجين فلا يأتي إلا من المجتمع، فهو الذي يجعل هذه الهوية قاتلة، بسبب التربية على الأعراف والعقائد، إلى جانب الأحقاد والإهانات التي لا تنسى، لتظل تتحين الفرصة للانفجار، ويختزل كل ذلك التنوع المميز للهوية، في موقف واحد ونهائي، أساسه اللغة أو الدين أو العرق بشكل مذهبي متسلط؛ فيتذكر المرء والجماعة آنذاك جراحاتهم الدفينة والمنسية، وينطلقون نحو الثأر من أصدقاء الأمس الذين صاروا أعداء اليوم، كما فعل الأكراد مع العراقيين الذين قاتلوا إلى جانبهم في مواجهة سطوة تنظيم الدولة "داعش" على الحدود العراقية والسورية التي يطالبون اليوم بتفكيكها من أجل إقامة دولتهم.

الهويات القاتلة..

كتالونيا.. التمهيد لتفكك أوروبا

"إننا نعيش في عصر مدهش يستطيع فيه أي إنسان يملك فكرة سواء كانت عبقرية.. فاسدة.. أو سطحية، أن ينقلها خلال النهار إلى عشرات الملايين من البشر".

تأتي الحالة الكتالونية كآخر وأبرز حلقة في سلسلة الانفصال التي تجتاح أوروبا ومناطق عديدة من العالم، فقد جاء الاستفتاء في إقليم كتالونيا تأكيدًا لرغبة 90% من السكان في الاستقلال عن إسبانيا؛ تعبيرًا عن عمق الشعور بالهوية الكتالونية المتميزة، والتي تجسدت في كيان شبه مستقل خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي، وأثناء الحكم الجمهوري في إسبانيا منذ عام 1931، وتعمق الشعور في عهد الجنرال فرانكو الذي ألغى الحكم الذاتي للإقليم، إلى حين عودة الملكية عام 1975 لتعيد للكيان حكمًا ذاتيًا موسعًا.

وتُشكّل الهوية أساسًا للصراع بين الإقليم والعاصمة الإسبانية مدريد، إضافة إلى النفوذ الاقتصادي وآثار الإجراءات التي بدأت الحكومة الإسبانية باتخاذها لإحباط انفصال الإقليم، ما يُعبر عن أزمة متصاعدة في الهوية والشرعية السياسية للاتحاد الأوروبي برمته، وفق ما ورد في مقالة افتتاحية لصحيفة "ذي أوبزيرفر" البريطانية.

ويرفض الاتحاد الأوروبي التوجهات الانفصالية لكتالونيا، وأيدت كل من فرنسا وألمانيا موقف مدريد بشدة في الأزمة، واعتبرت معظم دول الاتحاد أن الأمر يعد قضية داخلية إسبانية، في تأييد واضح لموقف مدريد؛ فهذه المواقف الأوروبية المهجوسة من قبل باستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد، تعبر عن خشية من حصول شرخ كبير في هيكل البناء الأوروبي، الذي بدا نموذجًا في التماسك منذ إنشائه عام 1957 وتوسيعه لاحقًا ضمن معاهدة ماستريخت عام 1992 وبعدها، خشية من تبعاته الخطيرة في تفشي النزعات الانفصالية في الجسد الأوروبي وفق "نظرية الدومينو".

وإذا كانت الدعوات الانفصالية تلقى ترحيبا من التيارات اليمينية في أوروبا، فإن نخبًا وقوى سياسية ومجتمعية عديدة ترى أن بروز دعوات الاستقلال داخل الاتحاد الأوروبي في حد ذاته مؤشرًا سلبيًا وخطيرًا، وأن انفصال أي إقليم خصوصًا في غرب وشمال أوروبا، يعد ضربة موجعة للمشروع الأوروبي الواحد؛ ويستحضر هؤلاء ما وصلت إليه يوغسلافيا السابقة وتشيكوسلوفاكيا وأوكرانيا وبلدان أوروبا الشرقية، وحتى الاتحاد السوفيتي السابق، رغم اختلاف الظروف الموضوعية؛ لكن دومًا كانت الهوية هي محور أغلب هذه الرغبات الانفصالية.

الهويات القاتلة..

الأكراد.. من مواجهة داعش إلى الانفصال

"إذا كان البشر في كل البلدان ومن كل الطبقات وكل المعتقدات يتحولون بسهولة فائقة إلى قتلة، وإذا كان المتطرفون من كل المذاهب ينجحون بسهولة بالغة في فرض أنفسهم كمدافعين عن الهوية.. فذلك لأن المفهوم القبلي للهوية الذي لا يزال سائدًا في العالم اجمع يشجع هذا التدهور".

يتوارى ذلك الإيمان بالاختلاف الذي يستمر الناس في ترديده في وقت السلم، ليجري اتهام من ليسوا في الجبهة نفسها، بالخيانة والمروق، وهنا - كما قال معلوف- تصبح الهويات قاتلة، خاصة عندما يظهر من بين هؤلاء قادة انتحاريون؛ فقد سعى الأكراد في الشرق الأوسط لنيل دولة مستقلة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وتقسيم المنطقة إلى عشرات الدول بنهاية الحقبة العثمانية، وفق اتفاقيات الدول المستعمرة آنذاك، حيث أدى إلى توزيع الأراضي بين العراق وسوريا وتركيا وإيران، دون إعطاء دولة لهم.

وقد حاول الأكراد إنشاء دولة لهم في أراضيهم غرب إيران وقد أسسوا جمهورية مهاباد، عام 1946 بدعم سوفيتي، لكنها لم تصمد سوى 11 شهرًا، فقط حيث أطاحت بها حكومة الشاه الإيراني وتمّ إعدام رئيسها قاضي محمد في 31 مارس 1947 في إحدى الساحات العامّة؛ أما بالنسبة لأكراد العراق فقد خاضوا حروبًا ضد الدولة المركزية منذ الستينيات بقيادة الملا مصطفى البارزاني، كما شنت حكومة صدام حسين حملة الأنفال ضدهم في الثمانينيات فقتلت عشرات الآلاف ومن ضمن ذلك بالغاز السام في مدينة حلبجة؛ وبعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، وتأسيس إقليم كردستان العراق فقد شكل الأكراد قوات مسلحة وشرطة واتخذوا علمًا ودستورًا ونشيدًا قوميًا وحكومة وبرلمانًا مستقلين عن الحكومة المركزية في بغداد؛ وظلت هذه المحاولات إلى أن وصلوا إلى استفتاء الانفصال الأخير، الذي رفضته العديد من دول العالم، بينما جاءت إسرائيل، الدولة الاستعمارية الوحيدة الباقية في العالم، لتؤيد ما قالت أنه "حق الأكراد في الانفصال"، بينما ترفض في الوقت نفسه إعطاء الفلسطينيين الذين تقبع على أراضيهم منذ عام 1948، حق تقرير المصير أو إنشاء دولتهم على أرضهم المحتلة.

ومع الرفض العراقي القوي للحركة الانفصالية الكردية، تخشى طهران أيضًا أن يؤدي استقلال كردستان إلى تحريك أكراد إيران وسائر القوميات للمطالبة بحق تقرير المصير، خاصة أن العرب والأكراد والأتراك الآذريين والتركمان والبلوش وغيرهم يعانون من تمييز الدولة المركزية أو ما يصفونه بـ"الشوفينية الفارسية"؛ كما أن لدى تركيا نفس الموقف ونفس المخاوف، فيما يتعلق بأكرادها وصراعها الطويل مع حزب العمال الكردستاني وبالتالي فهي تهدد بالتدخل بقوة خاصة في كركوك بحجة حماية التركمان.

الهويات القاتلة..

السودان.. دمار ما بعد الانفصال

"إن التاريخ يقدم البرهان الساطع على أن الاسلام يحمل في جوهره قدرات كامنة على التعايش والتفاعل المثمر مع الحضارات الأخرى، ولكن التاريخ الحديث يبين كذلك أن التقهقر ممكن.. وأن هذه القدرات الكامنة قد تبقى طويلًا في حالة كمون".

الهوية التي تحدث عنها باستفاضة معلوف في الجزء الأول من كتابه كانت بدورها سببًا في انفصال السودان، بعد أن تفككت هويات السودانيين وتحولت إلى هويات قاتلة؛ ففي عام 1956 كان في السودان 572 قبيلة تتحدث 138 لغة، وكان تعداد السكان يقل عن 11 مليون نسمة؛ كذلك فإن أهل السودان لم يعتنقوا ديانة واحدة فهنالك مسلمون ومسيحيين ويهود وأصحاب الكثير المعتقدات؛ فجاء الخلاف من رؤية أن هناك من فرض الهوية العربية على غير العرب؛ لذلك سعى الكثير من أبناء جنوب السودان إلى الاستقلال دون التفكير في مقومات الدولة التي ينوون إنشاؤها.

والآن يُعانى جنوب السودان بعد انفصاله في 2011 من مشكلات عديدة تعصف بوجوده، من بينها تفجر الصراع حول السلطة واشتعال حرب أهلية ذات طابع قبلي أودت بأرواح الكثيرين من مواطني الجنوب فيما تشرد آخرون في دول الجوار ونزح بعضهم إلى معسكرات آمنة تابعة للمنظمات الدولية داخل الدولة الوليدة.

يُعاني جنوب السودان أيضًا من انهيار الخدمات الصحية والتنمية الاقتصادية، وتوقف العملية الإنتاجية إلى جانب تفشي الفساد الإداري والمالي، وأصبح مواطنو الجنوب مهددين بالموت جوعًا أو برصاص الإخوة الفرقاء. ويدور الآن قتال وصراع واستقطاب حاد بين المكونات القبلية في الجنوب، إذ تتقاتل الآن قبيلتا الدينكا والنوير؛ فالدينكا هي القابضة الآن على السلطة وتمثل 40% من إجمالي سكان جنوب السودان البالغ عددهم 12 مليونًا، فيما تشكل قبيلة النوير التي ينتمي إليها زعيم التمرد الدكتور رياك مشار 10% من إجمالي السكان، وتعتبر الثانية من حيث التعداد والأنشط في كسب ود القبائل الصغيرة وحشدها ضد حكم الدينكا.

الهويات القاتلة..

القرم.. أزمة من القرن الـ18

"لا يكفي أن يكون التغيير موافقًا لروح العصر لكي يتم قبوله، ينبغي أيضًا ألّا يُسَبِّب صدمة على مستوى الرموز، وألّا يَمنح الذين نحثهم على التغيير شعورًا بالتنكر لذاتهم".

الهوية أيضًا كانت سبب أزمة القرم التي اندلعت بين روسيا وأوكرانيا منذ بضع سنوات، رغم أن جذورها تعود إلى القرن 18، عندما كانت القرم جزءًا من الإمبراطورية الروسية، مع أن الروس الإثنيين لم يصبحوا المجموعة السكانية الأكبر في القرم حتى القرن 20؛ وكانت القرم قد تمتعت بحكم ذاتي تحت اسم "جمهورية القرم السوفيتية الاشتراكية" في الفترة من 1921 حتى 1945، إذ قام ستالين بتهجير الأكثرية التترية القرمية وألغى الحكم الذاتي؛ وفي 1954، قام نيكيتا خروتشوف بنقل القرم من إلى جمهورية أوكرانيا السوفيتية الاشتراكية، ولم يُسمح للتتاريين القرميين بالعودة إلى ديارهم؛ ورغم عودة الحكم الذاتي إلى القرم في السنة الأخيرة من وجود الاتحاد السوفيتي، لكن مع وجود توترات انفصالية خلال عقد التسعينات، ظلت القرم جمهورية ذاتية الحكم ضمن أوكرانيا.

وفي يوم 23 فبراير 2014، وكجزء من نتائج الثورة الأوكرانية ألغي قانون اللغة للأقليات -والذي يشمل الروسية- وتم إعلان اللغة الأوكرانية لغة رسمية وحيدة للبلاد، فجاء القرار ليصب الزيت على النار في الأقاليم المستاءة أصلًا من التغييرات الحاصلة في عاصمتهم، وقد رأت تلك الاقاليم وخاصة شبه جزيرة القرم أن خطوة إلغاء قانون اللغات هي دليل على أن المحتجين في كييف يحملون اجندة معادية لروسيا ولهم توجه عنصري؛ وفي 16 مارس، أُجري استفتاء في القرم للانفصال عن أوكرانيا والانضمام لروسيا الاتحادية، جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الانضمام لروسيا بنسبة 95%.

"
هل تؤيد مقترح تعديل عقوبة تعاطي الحشيش؟

هل تؤيد مقترح تعديل عقوبة تعاطي الحشيش؟