رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
إسلام حويلة
ads
د. حسين علي
د. حسين علي

مفارقة قيام أحزاب دينية!

الخميس 12/أكتوبر/2017 - 12:38 ص
طباعة
تتبدى المفارقة فى مظاهر شتى تتصل بالفكر والأدب، والمجتمع والكون، ومن ثم تتمثل فى أوجه التناقض والتضاد من خلال صلة بعض الأقوال والأفكار والأفعال بعضها ببعض، وعلاقات بعض الأشياء والأشخاص والأحداث التى تظهر لنا عكس حقيقتها، ومن خلال المفارقات نلتقى بالتناقضات التى تجبرنا على شحذ تفكيرنا بغية فض هذه التناقضات.
المفارقة تعبر عن تناقض داخلى، إذ تحتوى هى نفسها على الشيء وعكسه أو المعنى ونقيضه، فهى تجمع بين مفردات أو عبارات ذات دلالات متناقضة، ومن أمثلتها: «ضوضاء الصمت»، «الحاضر الغائب»، «المستبد العادل»، «الدائرة المربعة»... إلخ. من أمثلة المفارقة أيضًا، ما ورد على لسان أحد الجنود الأمريكان أثناء غزو أمريكا للعراق، حين قال:
«كان علينا تدمير القرية لإنقاذها»!!
إذا كانت الأمثلة على المفارقات المنطقية أكثر من أن نحصيها هنا، فإننا سنقتصر خلال هذا المقال على تحليل «ظاهرة قيام أحزاب دينية»، وبيان طبيعة المفارقة التى ينطوى عليها هذا الأمر. إن وجود أحزاب دينية فى حياتنا السياسية ينطوى على مفارقة، لأنه يعبر عن تناقض واضح، فكيف يستقيم فى ظل الديمقراطية قيام أحزاب لا تؤمن بالديمقراطية، ولا تعترف بها كنظام سياسى مناسب، بل تسعى إلى هدمها؟! فالأحزاب الدينية لا تؤمن بتعدد الأحزاب، ولا تعترف بمبدأ تداول السلطة، وتنكر -عمليًا- حرية الفكر والاعتقاد، وهى من المبادئ الأساسية للديمقراطية الحقة. 
صحيح أن مثل هذه الأحزاب الدينية لا تكف ليل نهار عن التشدق بالديمقراطية، والمطالبة بتطبيقها، ويبدو الأمر فى ظاهره، وكأن القائمين على رأس هذه الأحزاب يؤمنون بالديمقراطية، الكل يتشدق بالديمقراطية ويتستر وراءها وهو فى الحقيقة يستخدمها كستار، بل إن أعتى النظم ديكتاتورية وأكثرها استبدادًا تتمسح بالديمقراطية، فدولة كوريا الشمالية مثلًا تطلق على نفسها اسم «جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية» وهى أعدى أعداء الديمقراطية. 
إن أصحاب الأحزاب الدينية ينظرون فى -واقع الأمر- إلى الديمقراطية بوصفها أداة أو سلما يصعدون بواسطته إلى سدة الحكم، ثم يقومون بتحطيم هذا السلم بعد أن يصلوا، أى يقوموا -بعد استيلائهم على السلطة- بإدارة شئون البلاد وفقًا لنظام حكم هو أبعد ما يكون عن الديمقراطية، وقد رأينا ذلك بأنفسنا حين تولى الحكم حزب دينى «الحرية والعدالة» الذى ينتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، وفقًا لقواعد اللعبة الديمقراطية، ثم كشر عن أنيابه بوصفه أحد أنواع الفاشية الدينية، أراد ذلك الحزب «أخونة» مصر كلها، وكان شغله الشاغل العناية بــ «الأهل والعشيرة» وتمكينهم من مفاصل الدولة. ثم سعى رئيس الجمهورية المنتمى إلى ذلك الحزب نحو الاستئثار بالسلطة، ونَصّب نفسه إلهًا لا يُسْأَل عما يفعل من خلال الإعلان الدستورى المكمل الذى أصدره بتاريخ ٢٢ نوفمبر ٢٠١٢، والذى تضمن حزمة من القرارات، منها جعل القرارات الرئاسية نهائية غير قابلة للطعن من أية جهة أخرى (حتى إن كانت المحكمة الدستورية ذاتها) منذ توليه الرئاسة!!
واللافت للنظر أنه بعد سقوط هذا الحكم الدينى فى مصر، وقيام نظام حكم جديد، فإن التوجه ما زال على ما هو عليه من السماح بقيام أحزاب دينية، إذ إن هناك أحزابا دينية -قائمة حتى اللحظة- فى مصر تمارس نشاطها بوصفها أحزابًا شرعية، وهنا لا بد من إلقاء الضوء على هذه «المفارقة». هل يحق فى ظل الديمقراطية تأسيس حزب معلوم مسبقًا أنه معادٍ للديمقراطية، وأن كل توجهاته تنبئ بأنه إذا ما وصل إلى الحكم سوف ينقلب على الديمقراطية ويلغيها، وأنه سوف يؤسس نظامًا ديكتاتوريًا وفاشيًا؟ هل يحق لمثل هذا الحزب أن يشارك فى الحياة السياسية من البداية؟ هل يجوز السماح لمثل هذه الأحزاب التى تتخذ موقفًا مناهضًا لحرية المرأة، وتنادى بمعاملة المواطنين المسيحيين بوصفهم أهل ذمة، فضلًا عن أن هذه الأحزاب تقف موقفًا عدائيًا من الفن والفنانين؟ ألا تنطوى الموافقة على قيام مثل هذه الأحزاب الدينية المعادية للديمقراطية على «تناقض»؟! ألا يمثل هذا الأمر مفارقة؟! كيف نحرص على معالجة مريض، فنأتى بمن نعلم علم اليقين أنه سيجهز عليه ويقتله؟!! 
هذا ما حدث فى أوروبا وبالتحديد فى ألمانيا، حين سمحت الديمقراطية فى ألمانيا بصعود «الحزب النازي» بزعامة «هتلر» الذى فرض نظامًا شموليًا استبداديًا جلب الدمار والخراب لا على ألمانيا وأوروبا وحدهما، بل على العالَم بأسره!! هل نريد تكرار ذلك مرة أخرى؟! لقد استوعب العالَم الغربى الدرس، ولم يعد يسمح بقيام أحزاب ينطوى برنامجها السياسي، وخطابها المعلن على ما يناهض الديمقراطية ويتناقض معها، أما نحن هنا فى مصر فما زلنا نسمح بحرية قيام أحزاب دينية نعلم علم اليقين أنها معادية أشد العداء للديمقراطية!! 
يبدو أننا لم نستوعب الدرس بعد!!
هل تتوقع تحسن الاقتصاد عقب افتتاح مشروعات العاصمة الجديدة؟

هل تتوقع تحسن الاقتصاد عقب افتتاح مشروعات العاصمة الجديدة؟