رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
إسلام حويلة
ad ad ad ad
أمل مبروك
أمل مبروك

العدالة والقانون «3»

الأربعاء 20/سبتمبر/2017 - 12:38 ص
طباعة
يؤكد رولز، أنه من غير الممكن أن يتفق المواطنون على سلطة أخلاقية مثل: نص مقدس، أو مؤسسة دينية، أو تقليد من التقاليد؛ أو حتى بالرجوع ما عَده البعض (قانونًا طبيعيًا) لذلك لا يوجد بديل – عنده – أفضل من الاتفاق على «فكرة منظمة للمجتمع»، أى نظام منصف من التعاون بين أشخاص أحرار ومتساوين». وهذا ما يسمى «الوضع الأصلى» الذى يجتمع من خلاله أشخاص أحرار لاختيار القواعد والمبادئ التى ينبغى أن تقود المجتمع، لا سيما توزيع الخيرات الأساسية كالحقوق، والحريات، والثروات.. إلخ وإعادة هيكلة المكاسب والتكاليف التى تنجم عن التعاون الاجتماعى.
من هذا المنطلق، يتساءل رولز، ما هى مبادئ العدالة التى تنطبق بشكل رئيسى على البينة الأساسية للمجتمع، وتحكم التخصيص للحقوق والواجبات، وتنظم التوزيع للمنافع الاجتماعية والاقتصادية؟ يرى رولز أن مبادئ العدالة التى تحكم المجتمع، هى «المبادئ التى سوف يقبلها أشخاص أحرار وعقلانيون يهتمون بتحقيق مصالحهم الذاتية فى وضع مبدئى من المساواة، ويجب أن تنظم هذه المبادئ جميع الاتفاقيات الأخرى، وتعين أنماط الشراكة الاجتماعية وأشكال الحكومات التى يمكن تأسيسها». وقد صاغ مبدأين رئيسيين للعدالة هما: المبدأ الأول، يجب أن يتمتع كل شخص بحق متساو لغيره ضمن أوسع نسق من الحريات، أى أن «لكل شخص الحق ذاته والذى لا يمكن إلغاؤه فى ترسيمة من الحريات الأساسية المتساوية الكافية، وهذه الترسيمة متسقة مع نظام الحريات ذاته»، المبدأ الثانى، يجب أن تنظم أشكال التفاوت الاجتماعى والاقتصادى بطريقة تضمن فى آن معًا أن نتوقع عقليًا أن تكون فى مصلحة كل واحد، وأن تكون متعلقة بمواقع ووظائف مفتوحة للجميع، بمعنى آخر «يجب أن تحقق ظواهر اللا مساواة الاجتماعية والاقتصادية شرطين: أولهما: يفيد أن اللا مساواة يجب أن تتعلق بالوظائف والمراكز التى تكون مفتوحة للجميع فى شروط مساوية منصفة للفرص، وثانيهما: يقتضى أن يكون ظواهر اللا مساواة محققة أكبر مصلحة لأعضاء المجتمع الذين هم أقل مركزًا (وهذا هو مبدأ الفرق). 
ويرى رولز، ضرورة أن يعرض هذان المبدآن وفق ترتيب ملزم، أى أنهما يعرضان بحسب معيار الأولوية؛ فيجب أن يستوفى مبدأ الحريات المتساوية قبل الركون إلى مبدأ مساواة الفرص المنصفة، ويجب تطبيق مبدأ مساواة الفرص المنصفة قبل اللجوء إلى مبدأ الفرق، فيقول: «والمبدأ الأول سابق للمبدأ الثانى، وكذلك تسبق المساواة المنصفة بالفرص فى المبدأ الثانى مبدأ الفرق». وعلى ذلك، يجب أن نرتب هذه المبادئ فى ترتيب تسلسلى، هذا الترتيب – كما عبر عنه رولز – «يعنى أنه لا يمكن تبرير انتهاكات الحريات الأساسية المتساوية المصانة بواسطة المبدأ الأول أو التعويض عنها من خلال منافع اقتصادية واجتماعية أكبر».
والواقع أن التركيز الشديد من جانب رولز على الأسس العقلانية فى المفاضلة بين المبادئ المختلفة للتوصل إلى تلك المبادئ التى يقبلها الإنسان ويعتبرها ملزمة له، إنما هو أمر يذكرنا بالمنهج الكانطى فى التوصل إلى الأمر الأخلاقى المطلق، فالأمر المطلق عند كانط هو ذلك المبدأ الذى ينبع من طبيعة الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا حر الإرادة، ومن ثم فهو ينطبق على البشر جميعًا بوصفهم كذلك؛ ويميزهم عما سواهم من الكائنات والموجودات. يقول كانط فى هذا الصدد: «كل شيء فى الطبيعة يخضع لقوانين، والكائن العاقل وحده هو الذى يملك المقدرة على السلوك بحسب تصور القوانين، أى بحسب مبادئ؛ أو بعبارة أخرى هو الكائن الذى يملك الإرادة لذلك». ويقول فى الموضع ذاته: «إن العلاقة التى تربط القوانين الموضوعية بإرادة لم يتمكن منها الخير تمامًا يمكن التعبير عنها بأنها تعيين إرادة كائن عاقل بوساطة مبادئ عقلية حقًا، ولكن لا تستطيع هذه الإرادة بطبيعتها أن تطيعها بالضرورة. ولذلك فإن تمثل مبدأ موضوعى من حيث إنه ملزم للإرادة يدعى أمرًا (عقليًا)، والصورة التى يصاغ فيها هذا الأمر يطلق عليه الأمر المطلق».
والجدير بالملاحظة أن من أهم الانتقادات التى وجُهت إلى كانط فى هذا الخصوص، هو أن الأمر المطلق الذى يقول به ويُحدد خصائصه، لا يوضح لنا – على وجه التحديد – ما هى المبادئ الفعلية التى تنطبق عليها هذه السمات والخصائص، أى أن الأمر الكانطى المطلق يحدد لنا ما الذى يتعين علينا فعله فى الواقع. وهذا هو فى الحقيقة ما استطاع أن ينجو منه رولز، فالوضع الأصلى هو فى جوهره مفهوم يوضح لنا ما هى تلك المبادئ التى يختارها أشخاص أحرار يتسمون بالعقلانية وحرية الإرادة، فى حين أن العقل الخالص عند كانط هو الذى يمدنا بالمبادئ الأخلاقية؛ هذه المبادئ ممثلة فى مبادئ العدالة عند رولز التى يتم اشتقاقها من مقدمات معينة تتمثل فى شروط الوضع الأصلى التى تمتزج فيها عوامل عدة منها: الحقائق السيكولوجية والتفاعل الاجتماعى فى سياق من الندرة والمطالب التنافسية. وهكذا، ينأى رولز عن الطابع العقلانى الخالص الذى اتسم به كانط، فى الوقت الذى تظل فيه نظريته تردد فى أعماقها النغمة الكانطية المميزة نفسها.
هل تتوقع تحسن الأحوال الاقتصادية بمصر في العام الجديد؟

هل تتوقع تحسن الأحوال الاقتصادية بمصر في العام الجديد؟