رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

الأغاني المصرية.. رحلة خداع طويلة

الجمعة 08/سبتمبر/2017 - 01:05 ص
صورة ارشيفية
صورة ارشيفية
محمد نبيل
طباعة
لم تقتصر الثوابت على الدين والأخلاقيات فقط؛ الثوابت موجودة فى كل ما يحيط بنا.. فى معانى الجمال، القبح، الحب؛ فى أساليب الكلام، وفى ثقافتنا السمعية التى تشكل جزءا كبيرا من ثقافة المجتمعات الشرقية؛ ولولا الثوابت لما وجد النقد الذي يدفع الإنسان لحالة بحث دائمة عما يعتاد على استقباله؛ فسنة الحياة التجديد؛ ولا بد للمعتاد أن يتطور وللثابت أن يتحول قليلا.
فى هذا التقرير تتعرض «البوابة» لعدد من الأعمال الغنائية التى عاشت معنا، وأثرت في وجداننا وعاشت معنا طويلا، ونحن نظن أنها تتحدث عن حالة معينة وأنها أغنية تخص مناسبة ما، وأن صانعيها هم فلان وفلان؛ لنكتشف بعد زمن طويل أن كل المعلومات التى نتحصل عليها لتلك المعلومات ربما تكون خاطئة، وهناك معلومات إضافية قد تغير كثيرًا من الصور الذهنية التي تدور بداخلنا حول تلك الأعمال الخالدة.
«وحوي يا وحوي».. أغنية «العوالم» التى صارت أشهر أغاني رمضان
أغنية «وحوي يا وحوي» للمطرب أحمد عبدالقادر، تعتبر الأغنية الأشهر فى مصر، التى تبثها الإذاعات ومحطات التليفزيون في شهر رمضان المبارك، وارتبط في أذهانهم أنها أغنية تدخل في مصاف أغاني المناسبات الدينية؛ لكن من ينقب في تراث الغناء المصري سوف تدور في رأسه الظنون في كون هذه الأغنية مرتبطة بالشهر المبارك.
فهناك طقطوقة تنتمي إلى موسيقى العوالم التي انتشرت في مصر منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وكان من أبرزهم شفيقة القبطية المرتبطة بالجيل الأول للعوالم في مصر؛ ثم برزت من بعدها بديعة مصابني أشهر العوالم  في مصر، وهى من وراء هذا المصطلح «عالمة»؛ هناك العديد من الأسماء في تلك الفترة، والذين ازداد عددهم منذ مطلع القرن العشرين.
أغنية «وحوي يا وحوي» منسوبة لراقصة تدعى عزيزة حلمي المصرية؛ بنفس لحن الأغنية المشهورة في رمضان؛ رغم اختلاف بسيط في نوع المقام، وبعض الكوبليهات، فأغنية عزيزة حلمي على مقام البيات وأغنية أحمد عبدالقادر على مقام «سيكاه»؛ واختلاف أيضًا في القالب الموسيقى، فعبد القادر قدم غنوة بينما قدمت عزيزة طقطوقة؛ ولكن الاختلاف الأبرز جاء في الكلمات وموضوع الأغنية نفسها، فبينما يقدم أحمد عبدالقادر أغنية تتعلق بمناسبة دينية؛ تقدم عزيزة حلمي طقطوقة تتعلق بالغزل الصريح في فتاة ريفية.
حصلت «البوابة» على التسجيل الصوتي القديم لأغنية عزيزة حلمي، والموثق في معهد العالم العربي بباريس المهتم بجمع وحفظ تراث الشعوب العربية؛ وحاولنا الإنصات جيدا إلى التسجيل المنقح القديم لتحرير كلمات الطقطوقة؛ فالصوت غير واضح بالشكل الأمثل، رغم عمليات التنقيح التي أجريت للأسطونة القديمة وترجع لحقبة العشرينيات.
كلمات الطقطوقة هى: «وحوي وحوي/ إياحة/ البنت الخفة/ فلاحة/ وفــ إيدها خوخة وتفاحة/ ماسكة الفانوس أحمر وأخضر/ ماشية بتغنى وتتمخطر/ بصوت جميل زهزه يسحر/ والوجه قمر بينور/ أقول لده إيه أنا متحير/ لا فاتت وقالتلى إياحة/ وحوي وحوي/ إياحة/ البنت الخفة/ فلاحة/ وفــ إيدها خوخة وتفاحة/ لابسة القميص وإله فاتحة/ والسدر باين بِّراحة/ ونهودها بارزة مرتاحة/ تقولشى إلها فلاحة/ مشيت وراها للساحة/ ضحكت وقالتلى إياحة/ وحوي وحوي/ إياحة/ البنت الخفة/ فلاحة/ وفــ إيدها خوخة وتفاحة/ أدوب يا أخواتى فى خفتها/ ولا هياش دارية بسلامتها/ نونو أوي يا بصتها/ جذبتنى والله بحلاوتها/ حبيت اسألها فين بيتها/ قالتلي يا أفندي إياحة/ وحوى وحوى/ إياحه/ البنت الخفة/ فلاحة/ وفــ إيدها خوخة وتفاحة/ طلبت أعرف فين بيتها/ ومن نينيتها أخطبها/ مشيت معاها يا محلاها/ يمكن تنقذنى خطوتها/ حبيت أطلبها ياناس دخلة/ قالتلى يا أفندي إياحة/ وحوي وحوي/ إياحة/ البنت الخفة/ فلاحة/ وفــ إيدها خوخة وتفاحة».
الكلمات التى تغنت بها عزيزة المصرية تنسب لشاعر يدعى حسين حلمى المانسترلي؛ وهو الشاعر نفسه الذى تنسب إليه كلمات أحمد عبدالقادر؛ ما يثير الشك حول أحقية نسب المانسترلى لأى من الأغنيتين، فالاحتمال الأقرب أنه كتب الأغنية المتعلقة بشهر رمضان؛ فثقافة حلمي المانسترلى يغلب عليها الطابع الديني، نظرا لعمله في وزارة الأوقاف؛ بينما أغنية عزيزة حلمى تدخل فى إطار الغزل الصريح وأغانى الملاهى الليلية.
أما فيما يخص التلحين، فعلى حسب التوثيقات لحن عزيزة حلمي منسوب لأحمد شريف، وهو ملحن الأغنية ومطرب أيضا من مطربي الغناء الشعبي وألحانه شعبية، حتى إنه اعتبر أحد رواد هذا اللون الفنى، بدأ حياته عازفا على آلة العود وعمل مطربا وملحنا بكازينو بديعة مصابني، وبعد ذلك تخصص في وضع ألحان حفلات الزفاف، ومن أشهرها «اتمخطرى يا حلوة يا زينة» و«مبروك عليكى عريسك الخفة»، ولحن «ليلة الصباحية وزفة بنت العمدة، وست الدار».
الغريب أنه هو الاسم نفسه المنسوب إليه اللحن الرمضاني؛ لكن أحمد عبدالقادر المطرب خرج في لقاء إذاعي نادر، وأكد أنه هو من قام بتلحين «وحوي يا وحوي»؛ لكن الرواية الأرجح أن الشريف هو من قام بوضع لحن طقطوقة عزيزة؛ حيث إنه كان مهتما بالغناء الشعبي، وبالتحديد الكازينوهات، لا سيما أنه كان عازف القانون في أغنية عزيزة؛ لكن يبقى لحن «وحوي يا وحوي» الرمضانية مجهولا ومسار جدل.
وفيما يتعلق بـ«وحوى يا حوى إياحه»؛ فتلك العبارات تدخل في صلب الفولكلور المصري، واختلف الباحثون في ترجمته؛ فعالم اللغة أحمد أمين فى كتابه قال: إن وحوي يا وحوي، كانت أغنية منتشرة بين الصبيان؛ يجتمع الأطفال بعد الفطور وبأيديهم فوانيس صغيرة مضاءة بالشمع، زجاجها ملون بألوان مختلفة، من أحمر وأخضر وأزرق وأصفر، وينشد منشدهم: «وحوى وحوى»! فيجيب الآخرون إياحه، ثم يستمر المنشد: «بنت السلطان/ لابسة قفطان/ بالأحمر/ بالأخضر/ بالأصفر»، وينشد الأطفال وراءه كلهم كلمة «إياحه»، ويؤكد «أمين» فى كتابه أنه لا يدري معناها متسائلا: هل هي كلمة مصرية قديمة أو هل مشتقة من حوى يحوي؟ أي عمل كما يعمل الحواة؛ بدليل قولهم: لولا فلان ما جينا، ولا تعبنا رجلينا، ولا حوينا ولا جينا.
وقد كان المصريون يرددون هذه العبارة عند ميلاد الهلال كل شهر، وبعد انتشار اللغة العربية في مصر، تحورت هذه العبارة وأصبحت «وحوي يا وحوي إياحة»، وارتبطت بقدوم شهر رمضان والفانوس الصفيح. 
ويُقال أيضًا إن عبارة «وحوي يا وحوي إياحة» أصلها يرجع إلى اللغة القبطية، وتعني كلمة «وحوي» اقتربوا، وتعني كلمة «إياحة» الهلال؛ أي أن معنى العبارة هو «اقتربوا لرؤية الهلال».
«أنا المصري».. أغنية عاشق ذليل هجر وطنه من أجل امرأة
 قدم فنان الشعب سيد درويش لحنًا خالدًا لأوبريت بعنوان «شهر زاد»، مأخوذًا عن مسرحية لعزيز عيد بالاسم نفسه؛ عرضت فى العام ١٩٢١، تخلل الأوبريت عدة أغانى خالدة كان من بينها «أنا المصري»؛ تدور المسرحية حول شهر زاد أميرة تترية تبلغ من العمر ٢٠ عاما، يحمى ملكها جيش من المرتزقة، من بينهم «زعبلة» الذى ارتحل من مصر وراء حبيبته «حورية»؛ في رتبة «هزق بزق» وهى رتبة تعادل الجندى، وتعجب به الأميرة، فترقيه إلى رتبة قائد عام جيوش الأميرة.
تنتصر جيوش الأميرة بقيادة زعبلة، وتحاول شهر زاد إغراءه، لكنه يفضل عليها حبيبته التي تعمل كوصيفة في القصر، وهي «حورية المصرية»؛ من خلال العرض تطرق الأوبريت بذكاء إلى تمجيد الجيش المصري، واعتزاز المصرى بجنسيته وعمق انتمائه إلى تراب مصر، من خلال لحن أنا المصرى، ولحن أحسن جيوش على التوالى؛ لكن الأغنية عندما اقتطعت من سياقها تم ترويجها على اعتبار أنها أغنية وطنية، وأصبحت تبث في مختلف محطات الإذاعة والتليفزيون في المناسبات الوطنية؛ ولما لا وهي التي تستهل بموسيقى ملحمية بنهجها حماسية، ذات طابع وطني وأداء نشيدي.
تقول كلماتها: «أنا المصري كريم العنصرين/ بنيت المجد بين الإهرمين/ جدودي أنشأوا العلم العجيب/ ومجرى النيل في الوادي الخصيب/ لهم في الدنيا آلاف السنين/ ويفنى الكون وهما موجودين/ وأقول لك على اللي خلاني/ أفوت أهلي وأوطاني/ حبيب أوهبت له روحي، لغيره لا أميل تاني» في مطلع الأغنية تتجسد صور الفخر والاعتزاز بالوطن، ما يعطي انطباعا بأنها أغنية وطنية حتى النخاع، بالإضافة إلى شكلها النشيدي، رغم أنها تتضمن معاني غير مفهومة مثل «العنصرين»، ماذا يقصد بيرم التونسي بهما بالضبط؟! هل هما العنصر الإسلامي والمسيحي رغم أنه كان هناك يهود في مصر في تلك الفترة؛ وهي الحقبة العشرينية من القرن الماضي؛ ولم يبرز مصطلح «قطبي الأمة» بدليل أن هناك أغنية لسيد درويش ملحن الغنوة، تقول «دول نصارى ومسلمين، قال إيه ويهود، دى العبارة نسل واحد م الجدود»، أو هل كان يقصد العنصر الفرعوني والإسلامي، وهما مادتا الخناقة الهوياتيّة في النصف الأول من القرن العشرين، والتي انتهت بتغلّب العنصر العروبي، وما المقصود بكلمة «بالإهرمين»، هل هي أهرامات الجيزة وعددها ثلاثة «أهرامات الجيزة الثلاثة»؟ أم هل هي مجرد مجاز؟ وكيف عبارة «يفنى الكون وهما موجودين»؟ ربما تكون تلك اللهجة متعمدة؛ حيث إن الجندي «زعبلة» كان يحارب في بلد أجنبي خارج مصر، فربما جاءت اللهجة مغايرة.
بعد شحنة الوطنية تلك في الأشطر الأولى للأغنية، يغادر سيد درويش الريتم الأصلي للأغنية، وينتقل من حالة النشيد الحماسي الوطني إلى أغنية غزل عفيفة، فيظهر فيها الجندي «زعبلة» بدلا من قائد الجيش المنتصر الفخور، إلى عاشق ذليل ولهان ترك أوطانه من أجل امرأة؛ الانتقال كان على مستوى اللهجة فانتقل من الفصحى إلى العامية، وعلى مستوى الموسيقى أيضًا، ففي شطرة «يفنى الكون حبيب أوهبت له روحي، لغيره لا أميل تاني» وهي جملة فصحى، ينتقل إلى «وهما موجودين»، وهي عامية صريحة فى الضمير «هما» ويستمر الجندي المتحول إلى عاشق في كلامه فيقول: «وأقولِك ع اللي خلاني أفوت أهلي وأوطاني» ليعترف هنا أنه تخلى لحساب نزعاته العاطفية الفردية.
موسيقار الأجيال يحصد «قمح تشايكوفيسكي»
 في العام ١٩٤٦، أنتجت شركة «بيضا قطان للإنتاج السينمائي» في مصر فيلم «لست ملاكا»، إخراج محمد كريم، وبطولة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب؛ الذي تغنى فيه بأغنية «القمح الليلة» من ألحانه وكلمات حسين السيد.
الأغنية التي انتشرت انتشار النار فى الهشيم؛ لأنها تتعلق بثقافة شعبية مصرية أصيلة منذ عهد الفراعنة وحتى الآن؛ وهى موسم حصاد القمح؛ فقد جاءت فى الفيلم فى إطار أوبريت، قصته تدور حول عهد الفراعنة؛ الذين دشنوا عيدا للاحتفاء بهذه المناسبة، وتظل حالة الفرح بحصاد القمح عيدا حتى الآن في قرى الريف المصري. 
لاقت الأغنية قبولا كبيرا؛ لدرجة أنه تمت السخرية منها في فيلم «٤ بنات وضابط» بطولة نعيمة عاكف؛ وتحتل نصيبًا جيدًا فى البث في محطات الإذاعة حتى وقتنا هذا؛ لكن تلك الأنغام التي خطفت الملايين، وذهبت بهم لجمال الريف المصري ونسماته، هي ليست نغمات مصرية أصيلة، ففي الأغنية اقتباس طويل من الموسيقى الغربية، وبالتحديد من الموسيقار الروسى بيتر إليتش تشايكوفيسكي في عمله الأشهر «بحيرة البجع»، وبالتحديد في مشهد الباليه، الذي ذهبت فيه كلارا إلى مدينة الشيكولاتة؛ تأخذ هذه الفقرة الموسيقية مدة الثلاث دقائق من الغنوة التي لا تتجاوز الخمس دقائق، غلفها عبدالوهاب بإيقاع ريفي مصري على صوت الدفوف والبندير، ملتزما بالمقام الرئيسي الذي صار عليه تشايكوفيسكى «الماجير»؛ ومن ثم يغادرها عبدالوهاب ويدخل في لحن آخر للكلام تسيطر عليه الروح الغربية نفسها. 
تقول كلمات الأغنية التى كتبها الشاعر الغنائي حسين السيد: «القمح الليلة الليلة عيده يا رب تبارك وتزيده/ لولى ومشبك على عوده والدنيا وجودها من جوده/ عمره ما يخلف مواعيده يا رب تبارك وتزيده/ لولى من نظم سيده متحكم بين عبيده/ أرواحنا ملك إيده وحياتنا بيه/ هلت على الكون بشايره ردت للعمر عمره/ والأمر الليلة أمره يا رب احميه/ يا حليوة أرضك راعيتيها والنظرة منك تحييها/ من شهدك كنت بترويها والخير أهى هلت مواعيده/ يا رب تبارك وتزيده/ والنيل على طول بعاده فات أهله وفات بلاده/ جاله يجرى فى ميعاده علشان يرويه/ والخير فاض من إيدينا لما النيل فاض علينا/ احميه يا رب لينا يا رب احميه/ النسمة عرفت مواعيده هزت من شوقها عناقيده/ والقمح الليلة الليلة ليلة عيده يا رب تبارك تبارك وتزيده».
وقد بدأ تشايكوفسكى فى تأليف «كسارة البندق» فى العام ١٨٩١، وأنهاها فى عام ١٨٩٢، وهى عبارة عن باليه من فصلين، مأخوذ عن قصة اقتبسها الكاتب الفرنسى ألكسندر دوماس الأب، والتى اقتبسها من قصة «كسارة البندق وملك الفئران» لأرنست هوفمان؛ وكان الانطباع الأول للنقاد الموسيقيين في أوروبا بعد سماع تلك المقطوعة أن تشايكوفيسكي تأثر بالموسيقى الفولكلورية للريف الروسي؛ وربما يكون هذا الرأى يحيلنا إلى سر استقبال الناس في مصر بحفاوة لتلك الغنوة وشعورهم بجو الريف فيها. ومنذ أواخر الخمسينيات من القرن الماضي تعرض موسيقار الأجيال فجأه وبلا مقدمات لهجوم حاد حول السرقات الموسيقية والاقتباس من الموسيقى الكلاسيكية الغربية، قادها الصحفي محمد التابعي وعدد من الموسيقيين، من أبرزهم الموجي.
"حلوة يا بلدي".. رسالة حب من صديق فرنسي إلى «داليدا»
 لم يسأل أحد من قبل عن سر الحفاوة الزائدة عند المصريين بالمغنية الراحلة داليدا؛ هل لأنها كانت فقط من الأجانب الذين ولدوا في مصر؛ فهناك الآلاف من المغنيين العالميين ولدوا في مصر مثل «موستاكى» و«رسوس» وغيرهم.. فلماذا لم يلقوا هذه الحفاوة؟!
الأمر المختلف فى مسيرة داليدا عن هؤلاء النجوم؛ وهو عودتها لمصر بعد أن رحلت عنها فى العام ١٩٥٤؛ لم تكن هذه العودة؛ عودة أبدية بدافع الاستقرار، لكنها عادت بمجموعة أغان باللغة العربية، لاقت حفلاتها فى مصر مطلع الثمانينيات من القرن الماضى رواجا كبيرا؛ وكان واحد من عشاقها وراء ذلك النجاح، وهو الموسيقار الفرنسى جيف بارنيل؛ الذى لحن لها «حلوة يا بلدى» وسالمة يا سلامة» وأغانى وأغانى؛ وإن كانت «حلوة يا بلدى» هى الأغنية الأكثر شعبية عند المصريين على الإطلاق التى تعبر للحنين إلى مصر؛ لدرجة جعلتها يعاد غناؤها أكثر من مرة حتى وقتنا هذا؛ وكان آخر من أعادت طرحها؛ الفنانة اللبنانية إليسا والفنانة هبة طوجى ولينا صليبى.
يعتبر هذا اللحن من أجمل ألحان بارنيل على الإطلاق فلم يصنعه لنفسه؛ حيث مارس الغناء أيضا؛ ولم يصنعه لأحد نجوم فرنسا المشهورين؛ لم يكن فى ذهن بارنيل حينها وطن أو حنين سوى داليدا؛ اللحن لم يكن إلا رسالة حب من بارنيل لداليدا، رغم أن بارنيل أيضا ولد فى مصر.
كان بارنيل آخر رجل عرفته داليدا، بعد القصص المأساوية التى عاشتها، فقد انتحر عدد كبير من الرجال الذين عشقتهم وعاشت معهم؛ وجاء معها إلى مصر فترة الثمانينيات؛ وكان آخر من حدثته داليدا قبل موتها.
كرس بارنيل جميع ما يمتلكه من موهبة موسيقية لخلق ذلك اللحن الذى أصبح عالميا؛ رغم أن بارنيل نفسه لم يكن فنانا عالميا من قبل.
وبعد رحيل داليدا عام ١٩٨٧؛ لم ينسها مطلقا؛ بل ظل يتحدث عنها فى جميع لقاءاته، إلى أن أصدر كتابا خصيصا عنها كتبه بنفسه؛ بعنوان «داليدا.. امرأة ذات قلب كبير»، صادر باللغة الفرنسية عن دار روتشى بباريس فى العام ٢٠٠٥؛ حكى فيه عن الفترات الأخيرة من حياتها منذ أن التقاها وحتى رحيلها، وعن رحلتهما إلى مصر فى الثمانينيات وعن كواليس فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين، واعترف فيه أخيرا بحبه لها؛ ذلك الحب الذى لم يبدأ بعد؛ وظل قصة من طرف واحد؛ وإلى الآن وحتى آخر لقاء تليفزيونى له، لم يعكف بارنيل عن ذكر اسم داليدا.

الكلمات المفتاحية

"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟