رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
القس بولس حليم
القس بولس حليم

ثقافة العنف "الرجل الفيل"

الثلاثاء 29/أغسطس/2017 - 05:19 ص
طباعة
كان هناك طفل تعيس.. لأن شكله مختلف عن بقية الأطفال، فمنخاره مثل زلومة الفيل، وهيئته تُشبه جسم الفيل، فأطلقوا عليه لقب «الفيل»، ولأنه شعر بالرفض من كل الذين تعامل معهم، صار إرهابيًا قاسي القلب مؤذيًا للناس، ولذلك وضعته السلطات في قفصٍ من حديد، وتعاملت معه كحيوان حتى تحمى الناس منه، والعجيب أنه كانت هناك فتاة آمنت بإنسانية هذا الوحش، فطلبت من السلطات أن تدخل إليه في القفص! وبالفعل دخلت بعد أن كتبت تعهدًا بمسئوليتها الكاملة عن حياتها، وعندما دخلت القفص اقتربت ببطءٍ شديدٍ.. ووضعت يديها على كتفه برفقٍ وحنوٍ، وكانت المفاجأة أن الدموع انهمرت من عيني الرجل الفيل.. تُرى لماذا؟ لأن هذه كانت أول مرة يشعر فيها بإنسانيته التى فُقدت... إنه مسكينٌ يظهر أمام الناس كأنه قوي ومؤذٍ، ولكن فى داخله ضعيف يستحق الشفقة والعطف، وهنا تُطرح أمامنا أسئلة عدة، وهي:
أولًا: لماذا العنف؟ لماذا يلجأ الناس إلى إيذاء الآخرين؟ 
١- التخلف الحضاري: الذى من مظاهره جرائم الثأر والتمثيل بجثث الموتى.
٢- سوء التربية والقسوة: فالطفل الذي يُعاقبه أبوه عقابًا شديدًا بلا ذنب، يبدأ وقتها الطفل بتحطيم لعبته، ثم يُحطم الآخرين بلا ذنب. 
٣- ضعف الثقة بالنفس: يجعل العنف وسيلة للتعبير عن النفس.
٤- الإحباط والفشل: يُولد الحقد والحسد، فلماذا قتل قابيل أخاه هابيل؟ لأن هابيل ناجح وقابيل فاشل، فحسده وقتله، لأن أعماله كانت شريرة، وأعمال أخيه بارة.
٥- الرغبة في السطوة: مثل ما كان يُمارسه «فتوات» الزمن الماضي كوسيلة للابتزاز.
٦- الخصام مع النفس: من خلال الشعور بالتمزق الداخلي.
ثانيًا: ما نتائج العنف؟ 
الإنسان الذي لا يشبع بالحب (الله محبة) يصير إنسانًا مؤذيًا، وذلك من خلال أنه:
١- يؤذى نفسه: إما بالمرض، أو الانتحار، أو الإدمان.
أ- فيُصاب بالأمراض النفسجسمانية (أمراض عضوية ولكن أسبابها نفسية) وتظهر في أعراض مثل آلام المعدة، أو صداع بلا سبب طبي واضح، أو آلام المفاصل والعظام أو النبض... إلخ.
ب- يحاول الانتحار لأنه فقد معنى الحب.
ج- يسقط فى الإدمان: سواء في المخدرات أو الكحوليات أو الميديا الخاطئة.
٢- يُؤذى الآخرين: ومن أشكالها إلقاء حجر لتحطيم سيارة، أو قطع زهرة جميلة وإلقاؤها في الطريق، أو خدش السيارات بمسمار حاد، أو إرهاب الآخرين سواء معنويًا أو جسديًا، خصوصًا الاعتداء بالضرب، والقتل، وحرق ممتلكات الآخرين.
فالضغوط النفسية جعلت البعض قنابل موقوتة، لا تنتظر سوى أحداث واهية أو شائعات، حتى يشتعل الفتيل ويحدث الانفجار، فالإنسان الذي لا يعرف الحب يتبني ثقافة الكراهية، التي تلتقط الأشياء الصغيرة لتُعمق الأحقاد.
ثالثًا: كيف نواجه العنف؟ 
١- اللسان العذب والكلمات اللطيفة الممزوجة بالوداعة والحب.
٢- عدم الاستسلام لرغبات الانتقام، فالإنسان بملكاته الطبيعية لا يستطيع أن يغفر للإساءة، بل يكون اختياره الأول عادةً هو الانتقام، وكما قال أحد الحكماء: «إن أقل انتقام يُسمم الروح».
٣- التمسك بالصبر والرجاء حين يسود الظلم والقهر؛ لأن الجروح التي تُصيبنا حين ننتقم أعمق بكثير من الجروح التي تُصيبنا حين نحتمل.
٤- اقتناء الحكمة.. فلا أسكب النار على المشاعر الملتهبة.
٥- التمسك بالسلوك الحضاري والرُقي والمبادئ والمُثل العليا.
٦- المعونة الإلهية... فحيث يكون الجرح أعمق من قدرتنا على الغفران، يتدخل الله فيعطينا الإرادة لتغيير طبيعتنا، ويمنحنا سلام القلب، وسكون العقل، وهدوء الضمير.
رابعًا: همسة في أذنك! 
أرى عزيزي القارئ أنك قرأت ما بين السطور، وعرفت أن منطق القوة ليس في إيذاء الآخرين، بل القوة تكمن فيك أنت! نعم أنت، يا من تملك الحق وتعرف الطريق وتعيش الحياة (فثقافة الحياة أقوى من الموت)، لذلك لا يُمكن أن تشعر بالظلم أو القهر فأنت لست بالرجل الفيل المسكين، بل أنت الإنسان الراقي العظيم، فلا تقُل على الضعيف إنه قويٌ، ولا تقُل على القوى إنه ضعيف، بل تقبل أوضاع الآخرين.

"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟