رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

حكايات الرعب في الأنفاق المظلمة.. سائقو المترو: حالات الانتحار كرهتنا في المهنة.. وأصوات تكسير العظام "جابت لنا المرض"

الإثنين 14/أغسطس/2017 - 05:00 ص
حوار مع سائقو المترو
حوار مع سائقو المترو
محمد المواردي
طباعة

أشلاء ضحايا أسفل العجلات، مشاهد الدماء وأصوات تكسير العظام، تصيب سائقي المترو باضطرابات نفسية وأمراض مزمنة من مشاهد الانتحار، مواقف أفقدتهم لذة الحياة رغم الرواتب المجزية.

ست ساعات عمل داخل كابينة في الأنفاق المظلمة، يحرصون حفاظًا على سلامة ركابهم، يعيشون في ضغوطات نفسية وأوجاع مستمرة، تتشبث ذاكرتهم بنزيف الدماء، صراخ مكبوت داخل الأنفس.. ودموع على مفاتيح التحكم، مواقف مفزعة مرت على عشرات السائقين، وأثرت بالسلب على واقع الحياة والحالة النفسية لهم، يرويها هؤلاء بدءًا من لحظة الانتحار مرورًا برد الفعل الفوري لهم.

التقينا مع عدد من سائقي الخط الأول والثاني والثالث، داخل كبائن لوحة التحكم، بعربات المترو، وعشنا معهم واقع القيادة داخل الأنفاق المظلمة لمتابعة الوضع.

في البداية، يقول محمد الشرقاوي، سائق بالخط الأول وملاحظ بالخط الثالث، يعمل منذ 17 عامًا بهيئة مترو الأنفاق: "من كام سنة،تفاجأت بسقوط شاب قدامي بعد دخولي محطة حدائق المعادي.. وماقدرتش أوقف المترو وعديت عليه بعربيتين"، وأنه أبلغ غرفة التحكم بتلك الواقعة وقاموا بعدها بإخراج الجثة التي ظلت حية لساعات معدودة، وأكد أن الضحية سرق سلسلة وألقى بنفسه على القضبان، هروبًا من ملاحقة الشباب له، بقوله: "الكل جري وراه بعد ما سرق، وهو بيجري داس على شنطة زبالة، ومكنش فيه مفر غير أنه ينط قدام مني".

نبرات حزن ودموع لما وصل الحال به، "نفسيًا أنا بقيت متوتر على طول وعندي أمراض مزمنة نقلتني من سواق خط أول إلى ملاحظ خط ثالث"، كما أنه أجرى عملية جراحية في القلب، ويعاني من الأعصاب، وأمراض السكر والضغط، وبكلمات بسيطة، دلت على مدى المعاناة التي يتعرض لها: "إحنا قلوبنا بتدمر لو ضربنا قطة أو كلب بنتأثر نفسيًا، ما بالك ده بني آدم.. الفرحة بقت مدفونة جوانا".

علاء الدين غريب، سائق في الخط الأول وانتقل للخط الثالث، يشير إلى أن استخدام الإنترنت أهدر أرواح شباب كثيرة لانشغالهم به، واتضح ذلك من فتاة كانت غائبة عن الواقع وتركيزها الكلي على شاشة الموبايل، حيث إنها كانت واقفة على حافة رصيف جامعة القاهرة، وخوفًا على ذعرها من صوت آلة التنبيه، وسقوطها أسفل عجلات المترو، اصطدم بالتاب وسط صراخ الفتاة، قائلًا: "اضطريت اضرب التاب احسن من موتها".

ولفت إلى موقف آخر، كان هناك 3 بنات، يقفن على رصيف الجامعة وبينهم بنت تقف بظهرها على حافة الرصيف وذراعها في حرم عربات المترو، وكان يخشى من تشغيل آلة التنبيه خوفًا عليها من الصدمة والسقوط على القضبان، إلا أنه تمكن من تجاوز الموقف بالسير وإصابة ذراعها حماية لها من الموت، قائلًا: "سمعت صوت العضم، وهو بيتكسر، وأهم حاجة عندي أنها ماتموتش وقولت مش مشكلة ذراعها".

أوضح أن المواقف التي يتعرض لها بمختلف الحالات، تؤثر بالسلب على حياته الصحية، والتي قد تنقله من سائق إلى ملاحظ أو أي عمل إداري، إضافة إلى توتر حالته النفسية، وإصابته بأمراض مزمنة.

سمير عبد المعز، سائق في الخط الثاني، يلفت إلى أحد المواقف التي تعرض بمحطة جامعة القاهرة، والتي تبين منها، أن هناك زوج كان يرغب في مصالحة زوجته على رصيف المترو، إلا أنها رفضت وعلى الفور ألقاها على القضبان، قبيل قدوم عجلات المترو، على حد قول المباحث.

والشيء الذي فوجئ به السائق قبل قدومه الرصيف، أنه رأى الزوجة ترغب في إسقاط زوجها معها على القضبان، بإمساكه من ملابسه ليكون المشهد الزوج على الزوجة، ويأتي جسم عربات المترو ليتوفى الرجل في الحين وإصابة الزوجة ببتر في الذراع.

ويقول السائق: من أصعب المواقف التي مرت عليه، أنه لم يتمكن من إيقاف المترو عند سقوط الزوجين أسفل عجلات المترو، متابعًا: "اليوم ده أنا بقيت أترعش من كتر الخضة.. ومقدرتش أكمل الرحلات وخدت إجازة".

أسامة الدسوقي، سائق في الخط الثاني، وصاحب واقعة آخر حالة انتحار فتاة بمحطة الدقي، طالبة "التمريض"، يشير إلى أنه فوجئ قبيل دخوله رصيف المحطة، بسقوط بنت على القضبان أمامه دون معرفة السبب، فدهست الفتاة وتقطعت إلى أشلاء، بعد فشل محاولات إيقاف المترو، وسط حالة ذعر انتشرت بين الركاب، متابعًا: "المنظر ده كرهني حياتي كلها، صوت تكسير العظام مش عاوز يفارق ودني، وكل لما بعدي على الدقي، بكره اليوم اللي اشتغلت فيه"، ويضيف أنه نوى فور وقوع تلك الحادث بعدم استمراره في تلك المهنة، وسيتجه إلى عمل إداري بعيدًا عن توتر الأعصاب، ولكن الجميع رشح له طلب إجازة مؤقتة.

ويرى أن كاميرات المراقبة الموجودة على أرصفة المحطات، ساهمت كثيرًا في إعفاء السائقين من حضور تحقيق النيابة عقب وقوع حالات الانتحار، ويشير إلى أن غرفة التحكم تتابع تلك الواقعة عبر شاشات التليفزيون التي تبين حقيقة الأمر.

يضيف محمد محمود، سائق في الخط الأول، أصعب المواقف التي مرت عليه خلال عمله في هيئة مترو الأنفاق، تأتي في محطة مترو دار السلام، حيث كان هناك 3 أطفال يقفون على حافة الرصيف، وفي لحظة مزاح بينهم، ألقى أحدهم 2 على القضبان، وقبيل قدومي إلى رصيف المحطة، فوجئت بـ2 يجرون أمامي، أحدهم تمكن من الصعود للرصيف مرة أخرى، ولكن الثاني دُهس أسفل عجلات المترو، بعد فشل محاولات إيقاف المترو نهائيًا.

وتابع: "تكسير العظام اللي سمعته من الطفل، وقفني لحد ما يطلع من تحت عجلات المترو، والمفاجأة أنه طلع سليم"، وأوضح أن ذلك الموقف أثر على حالته النفسية وفي تعاملاته اليومية.

يقول صلاح عبد الباقي، سائق في الخط الأول: إنه أصيب بحالة ذعر أثناء دخوله رصيف عين شمس، ورأى طفل في أولى ابتدائي على القضيب يحمل حقيبة على حافة الرصيف ويستغيث لإنقاذه، قبل قدوم عجلات المترو عليه، مردفًا: "كان بيني وبينه 2 متر، وقلبي كان هيقف من الخضة، لو كنت قطعتني مكنتش هتلاقي نقطة دم فيا"، ويلفت أن تشغيل آلة التنبيه كان لها دور فعال في إنقاذ الطفل.

ويشير إلى أنه تعلم خلال فترة التدريب، التي خاضها، ضرورة التأني في القيادة، قائلًا: "تعلمت أن السواقة مش همج، أجري بين المحطات زي ما أنت عاوز، لكن الرصيف احترمه"، وهذا ما قام به حين تعرض لذلك الطفل الذي سقط على القضيب قبل لحظات من وصول عربات المترو رصيف المحطة.

ويقول عزت مصطفى، سائق بالخط الثاني: إن أحد زملائه وجد جاكيت على قضبان محطة كوبري القبة، مكتوب فيه رسالة وبها توضيح لأسباب الانتحار، وأوضح أن هذا الجواب أعفى السائق من حضور تحقيق النيابة.

وأوضح أن المعاناة التي يتعرضون لها جراء سقوط حالات أمام أعينهم أسفل عجلات المترو، تأتي من اضطرابات نفسية وأمراض مزمنة، إضافة إلى عدم إمكان استكمال الرحلات، والإجازات تصل إلى شهر للراحة، بعيدًا عن مشاهد أشلاء الضحايا، ويقول: "ممكن نلاقي نفسنا مرفوعين من الشغل ونروح النيابة كمان".

كواليس الأنفاق المظلمة بين المحطات

مساحات مظلمة بين محطة وأخرى، مخاطر يتعرض لها سائق الكابينة، كواليس لا يراها الركاب أثناء رحلتهم، أدوات طوارئ ترافق عربات المترو، "طفايات حريق، ومراوح تهوية، وإنارة، ومحطات لرفع المياه"، جميعها وسائل لمواجهة الخطر، تلك التفاصيل يرويها لنا سائقو الخطوط الثلاثة، والمواقف التي يتعرضون لها داخل الأنفاق المظلمة.

يقول علاء إبراهيم، سائق بالخط الثاني: أسوأ شيء بنتعرض له، أثناء وجودنا في الأنفاق المظلمة، حدوث عطل مفاجئ بين العربات، ويستغرق مدة طويلة، كل ما يعنينا في تلك الفترة هو العمل على إعادة حركة القطارات، عن طريق محاولة إصلاح العطل دون الاستعانة بالصيانة، ويشير إلى أن سائق المترو أيضًا فني وهندسي وكهربائي ليواجه العطل المفاجئ.

ويضيف أنه لا يمكنه السماح بفتح أبواب عربات المترو، بقوله: "استحالة نفتح الأبواب لو حصل عطل فني بين المحطات"، لمدى خطورتها على سلامة الركاب، وأوضح أن جميع الأبواب التي تفتح تأتي من استخدام الركاب بلف الطوارئ، ويشير إلى أنهم يسعون بشكل متواصل إلى طمأنتهم بطبيعة الوضع عن طريق الميكروفون الداخلي في العربات.

ويقول محمد الشرقاوي: إن هناك بعض الكوارث التي قد تثير الذعر في حركة تقاطر عربات المترو داخل الأنفاق المظلمة وهي وجود رشح بالنفق، التي قد تؤثر على حركة التقاطر، أو وقوع حرائق تعطل حركة المترو، مردفًا: "بيكون علينا ضغط نفسي والراكب مابيقدرش ده.. بنتشتم وبنستحمل.. وحياتنا في نفق مظلم".

ويشير إلى سوء معاملة الراكب مع السائق حال وقوع عطل بين الأنفاق المظلمة، خاصة وأنهم يسعون إلى تكسير الأبواب، قائلًا: "أنا ببقى شايل هم 2000 راكب فوق دماغي"، ويؤكد أنه حال فشله في إصلاح العطل، يتم التواصل فورًا مع غرفة التحكم لإنهاء ذلك العطل.

"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟