رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

ممارسات التصعيد الإسرائيلي في القدس تعبر عن استفحال ثقافة التطرف

الأربعاء 19/يوليه/2017 - 07:38 ص
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
أ.ش.أ
طباعة

تشكل الحلقة الجديدة من ممارسات التصعيد الإسرائيلي مؤخرا في القدس والتي طالت المسجد الأقصى تعبيرا صارخا لثقافة التطرف التي تفحلت في المجتمع الإسرائيلي بصورة دفعت مثقفين في إسرائيل والغرب للتحذير بشدة من عواقب هذه الثقافة العدوانية.

واتخذ المخطط الإسرائيلي لتهويد القدس أبعادا نوعية خطيرة أفصحت عنها الاعتداءات الأخيرة على المسجد الأقصى بقدر ما تعبر هذه الاعتداءات عن تعاظم واستفحال ثقافة التيار الاستيطاني المتطرف في إسرائيل.

فإسرائيل تتجه نحو ثقافة أكثر تشددا وعدوانية وإقحاما للدين في السياسة كما تعبر عنها أفكار أحزاب مثل "إسرائيل بيتنا" و"البيت اليهودي" و"شاس" و"التوراة" وبكل ما تعنيه هذه الثقافة اليمينية العدوانية من انعكاسات على أمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها مع الاستمرار في المد الاستيطاني والتهويد.

وخلال الأسبوع الأخير توالت الصور الصادمة لاعتداءات مجموعات من المستوطنين الصهاينة على المسجد الأقصى مع محاولات سلطات الاحتلال لمنع المسلمين من الصلاة بمسجدهم فيما شكلت هذه الاعتداءات نقلة نوعية في الممارسات الاستفزازية الإسرائيلية في محيط الحرم القدسي الشريف.

وفي طرح نشرته مؤخرا دورية "نيويورك ريفيو" التي تعد من أهم الوسائط الإعلامية الأمريكية المعنية بالقضايا الثقافية اعتبر الكاتب والأكاديمي دافيد شولمان أن إسرائيل تحاول "إضفاء المنطق على اللا منطق" ولن تؤدي سياسات حكومتها في الضم والاحتلال إلا لإصابة الكيان الإسرائيلي بالتفسخ الأخلاقي والانحطاط فيما تعرضت الدولة لما وصفه "بقرصنة المستوطنين".

وكأستاذ جامعي إسرائيلي وناشط ثقافي وصاحب إسهامات أكاديمية هامة في حقل الدراسات الدينية يبدي دافيد شولمان انزعاجا من اقترانه بدولة باتت تقترن في الأذهان بفكرة الاحتلال موضحا أنه عندما غادر الولايات المتحدة وجاء لإسرائيل كشاب صغير منذ أكثر من نصف قرن لم يكن وراء هذا القرار أي دافع عقائدي فهو لا ينتمي أيديولوجيا للفكر الصهيوني وإنما كان الدافع الكبير يتمثل في ولعه الثقافي باللغة العبرية.

وأكد شولمان في هذا الطرح أن "إسرائيل الآن باتت أسوأ كثيرا من إسرائيل التي جاء إليها منذ نحو 50 عاما" فمع أنها لم تكن يومئذ "مجتمع اليوتوبيا " أو بريئة من الكراهية غير أن كل ذلك لا يقارن بالمشهد الحالي في إسرائيل، حيث استفحلت الكراهية وتفشت العنصرية وتكاثرت تجلياتها المريرة في المجال العام وعبر وسائل الإعلام.

وأشار إلى أن صورة الجيش الإسرائيلي تغيرت بدورها كثيرا عبر هذه السنوات التي عاشها في إسرائيل، موضحا أن صورة هذا الجيش في الأذهان هي "صورة جيش الاحتلال الذي يسعى لتكريس اغتصاب الأراضي المحتلة منذ عام 1967".

وتابع دافيد شولمان يقول ن هذه الصورة تبدت في عدة كتب جديدة صدرت بمناسبة الذكرى الخمسين لحرب الخامس من يونيو عام 1967 وهي حرب رأى أنها "لا تدعو في الحقيقة الإسرائيليين للاحتفال بذكراها بقدر ما تدعوهم للحزن والحداد" لأنها أفضت لمتغيرات ألحقت أضرارا جوهرية بالمجتمع الإسرائيلي الذي لم يعد يؤمن سوى بلغة القوة.

والباعث على التأمل في هذا السياق كما يقول دافيد شولمان أن الكاتب والمحلل الأمريكي المتخصص في قضايا الشرق الأوسط ناثان ثرال دعا في كتاب جديد صدر بعنوان: "اللغة الوحيدة التي يفهمونها" إلى ضرورة تبني توجه يرغم إسرائيل ولو بصورة قسرية على حل النزاع مع الفلسطينيين".

فالاستنتاج الذي خلص إليه صاحب هذا الكتاب الجديد هو أن أساليب الولايات المتحدة في استرضاء إسرائيل والتي تتضمن الدعم المالي الكبير إلى جانب المساعدات العسكرية الهائلة لن تجدي في تغيير الذهنية الإسرائيلية التي تؤمن بأن "أي تضحيات ضرورية من أجل السلام ستكون أسوأ بكثير من العمل على استمرارية الوضع الراهن".

فالذهنية السائدة في إسرائيل اليوم كما يوضح هذا الكتاب الجديد لا تريد في الواقع التوصل لأي اتفاق للسلام لأن تكاليف مثل هذا الاتفاق والتي تتضمن التخلي عن أراض محتلة هي في المنظور الإسرائيلي أفدح بكثير من تكاليف استمرار الوضع الراهن التي تعد "تكاليف يمكن تحملها".

وبوضوح يقول ناثان ثرال في كتابه الجديد إن "أي استراتيجية تقوم على افتراض أن إسرائيل تتصرف بصورة منطقية لن يكتب لها النجاح" فيما يؤكد على أن التوجه الإسرائيلي لاستلهام نظام الحكم العنصري البائد في جنوب أفريقيا وإقامة "دولة أبارتيد تحكم الفلسطينيين" إنما يقوض تماما مصداقية أي حديث حول "الديمقراطية الإسرائيلية".

ويعود الكاتب والأكاديمي دافيد شولمان، لافتا إلى أن إسرائيل التي لا تريد في الحقيقة أي اتفاق للسلام "هي ذاتها التي تلقي باللائمة على الفلسطينيين في استمرار حالة الجمود" بينما تمضي وسائل الإعلام الإسرائيلية في الترويج لقصص اقرب للخرافات "حول الكراهية المطلقة التي يكنها الفلسطينيون للإسرائيليين".

ومثل هذه الخرافات المروجة للكراهية تتجلى ثقافيا في كتب كالكتاب الذي صدر عن جامعة تل أبيب بعنوان: "بحثا عن وطن فلسطيني حديث" لماتي شتاينبيرج وهو مستشار سابق لجهاز الأمن الداخلي المعروف باسم "شين بيت" كما عمل كمستشار امني لعدة رؤساء حكومات في إسرائيل.

وماتي شتاينبيرج يسعى في كتابه هذا للترويج لمغالطات تاريخية مثل رغبة الفلسطينيين في إبادة اليهود وتدمير دولتهم في إسرائيل وبالتالي فهو يكرس "للاتجاه المضاد للمنطق برفضه أي اتفاق للسلام"، فيما يرى دافيد شولمان أن الحل يكمن في تبني إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفكرة ناثان ثرال بشأن "التوصل لاتفاق سلام عبر إرغام إسرائيل على قبوله" من أجل مستقبل أفضل للجميع في المنطقة.

ولا ريب أن للقدس رمزيتها الهامة في سياق التراث المشترك "لأبناء إبراهيم" بقدر ما تشكل الممارسات الاستفزازية الإسرائيلية تحديا خطيرا لهذه الرمزية ودلالات التراث المشترك وتصب في مربع تحفيز ذهنية التطرف والعنف ومنح ذرائع للإرهاب.

وما بين اقتحامات مستوطنين احتلاليين وإغلاق للمسجد الأقصى ومنع المصلين من دخوله مؤخرا، بدا واضحًا لكل ذي عينين أن الموجة الجديدة والخطيرة من الهجمات على المسجد الأقصى تستهدف تفريغ المسجد من المسلمين بالتوازي مع مخطط تفريغ القدس من الفلسطينيين، وهو مخطط الاغتصاب الاستيطاني الذي التهم ما يزيد عن الـ70 كيلو مترا في إطار تغيير الحقائق على الأرض كخاصية أساسية من خصائص العقل الإسرائيلي.

ومن الواضح أيضا أن العناصر المتطرفة في الحكومة الإسرائيلية الحالية تستخدم المستوطنين في القدس الشرقية الذين وصل عددهم إلى نحو 180 ألف مستوطن لتغيير الواقع على الأرض وفرض "ثقافة جديدة" على زهرة المدائن وحاضنة المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.

وبينما يمضي المستوطنون في ممارسات مناهضة لأي معنى يتصل بقيم الحق والخير والجمال، فثمة حاجة لقراءة ثقافية عربية متعمقة في دلالات تصاعد الثقافة الصهيونية المتعصبة، فيما توفر هذه الثقافة العدوانية حاضنة لتنامي التطرف في المنطقة ككل وتمنح ذرائع لجماعات الإرهاب التي تهدد الأمن القومي العربي.

وهذه الثقافة المتطرفة تدفع في اتجاه إعلان إسرائيل كدولة لليهود وحدهم وإقصاء أي مكون عربي من هوية هذه الدولة باعتبارها "الدولة القومية للشعب اليهودي"، وتجسد القيم والمعتقدات اليهودية وبما يتضمنه ذلك من "فرض للرؤية اليهودية لتاريخ المنطقة.

وإذا كان الشاعر السوري الأصل علي أحمد سعيد الشهير بأدونيس، قد اعتبر القدس "أرض المأساة والتاريخ الملتبس والكلمة"، ساعيا في عمله الشعري "كونشيرتو القدس" إلى مزج الثقافي بالرؤيوي وخلط الإبداعي بالمعرفي، فإن القدس تبقى دوما موضع إبداعات ومحفزا لإنجازات ثقافية في الشرق والغرب.

وفى كتاب "المسجد مرآة الإسلام" – يمعن المفكر الفرنسي الراحل روجيه جارودي النظر في قبة الصخرة للوقوف على المعاني الداخلية والروحية، معتبرا أن هذه القبة تحمل بذور الفكرة الرئيسة للفن الإسلامي الذي يعبر عن التصور الإسلامي للوجود.

ولا يمكن أن يفسر هذا الفن إلا انطلاقا من متطلبات هذا التصور وقبة الصخرة أول مثال باهر له، كما يقول روجيه جارودي معيدا للأذهان أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان هو الذي أمر ببناء أول أثر إسلامي رائع، هو قبة الصخرة، التي تم بناؤها عام 687 بعد نصف قرن من وفاة الرسول صل الله عليه وسلم.

فالموضع الذي بني عليه المسجد وبناؤه وأبعاده ونسبه والأشكال التي ينطوي عليها والألوان التي تبعث فيه الحياة ومظهره الخارجي وسيمفونية فضائه الداخلي كلها ناتجة عن العقيدة التي أوحت ببنائها، "فإذا به شكل جديد للجمال ظل يوجه العمارة والفن الإسلاميين والإبداع الفني في 3 قارات طوال ألف عام".

ويمضى جارودي في تأملاته ليقول: قد يسهل علينا أن نبدأ من الخارج فنبحث عن الأصول البيزنطية والفارسية أو الهيلينية والرومانية لهذا العنصر أو ذلك التكنيك في العمارة أو لهذه الوحدة الزخرفية أو تلك لو لهذا التركيب المنسجم المحسوب أو ذاك بيد أن هذا المنهج في البحث ضرب من العبث.

فالمؤرخون وعلماء الآثار ونقاد الفن ومهندسو العمارة كثيرا ما قاموا بهذا العمل التحليلي المفيد بلا شك لكن التوقف عند هذا التحليل - كما يوضح جارودي- من غير البداية من الداخل أي من الدفعة المركزية التي انطلقت منها العملية كلها يعنى إغفال شيء جوهري.

هذا الشيء الجوهري هو المبدأ الذي ينظم المجموعة ويغير ملامح ما يقتبس ويمنحه حياة جديدة في مجموعة لم تر النور بعد ويعبر عن عقيدة واحدة من خلال اختلاف الثقافات، فيما أضاف جارودي في هذا الكتاب أن الشكل الخارجي للمبنى يعبر عن الرسالة الجوهرية لهذه العقيدة.

وفي "كونشيرتو القدس" ينقل أدونيس عن ابن عباس قوله: "من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقاع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس" فيما مضى الشاعر متجولا بين تضاريس الجغرافيا الثقافية والروحية لزهرة المدائن التي جمعت ما بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة وطريق الآلام وعين سلوان.

واذا كان هناك من يرى استحالة حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني وقضية بحجم وخطورة قضية القدس إلا في إطار دولي ملزم فإن الثقافة العربية تكون بحاجة لتفكير مبدع للتعامل مع هذه القضية على مستوى العالم والاهتمام بكل ما يكتب بلغات أجنبية عن زهرة المدائن.

وفي هذا السياق أيضا ثمة حاجة ثقافية فلسطينية وعربية لملاحظة ظواهر داخل المجتمع الإسرائيلي قد تساعد في تفكيك ثقافة التطرف الإسرائيلية بقدر خطورتها على المنطقة والعالم ككل، ومن بين هذه الظواهر ما يعرف بظاهرة المؤرخين اليهود الجدد.

وهذه الظاهرة التي تستنكرها الصهيونية المتشددة تعيد قراءة التاريخ بصورة أكثر إنصافا عبر مثقفين إسرائيليين مثل الأكاديمي إيلان بابيه صاحب كتاب "الفلسطينيون المنسيون" والذي يجهر بحق العودة للفلسطينيين فضلا عن حقهم المشروع في المقاومة مادامت أراضيهم محتلة.

ويعتبر مثقفون يهود عن حق أن الصهيونية المتشددة كأيديولوجية قومية استيطانية منغلقة تهدد الاستنارة وتخاصم الليبرالية بمعناها الحقيقي كما أنها لا يمكن أن تنتصر للعقل وهي تعلي من أفكار التفوق العرقي وفلسفات القوة الغاشمة.

ويبدو التاريخ ميدانا للمواجهة بين ظاهرة المؤرخين اليهود الجدد والصهيونية المتشددة في نسختها الجديدة التي تفرض حضورها الأيديولوجي في مناهج التعليم داخل إسرائيل لتنكر تماما أي وجود تاريخي وحقيقي للشعب الفلسطيني.

وفي المقابل، فإن ظاهرة المؤرخين الجدد التي تتحول إلى تيار ثقافي يضم أسماء عديدة لمثقفين في إسرائيل مثل ميشيل مزراحي وثيودور كاتز وبينى موريس وشلومو ساند لها تجلياتها في الطروحات التاريخية والإبداعات الشعرية والروائية وكلها مضادة للصهيونية المتشددة وداعية "لحل إنساني ومنصف للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني".

وإن كان الحق فى القدس قد سلب من أصحاب الحق، فإنهم للمفارقة كانوا هم الذين أتاحوا حرية الزيارة وحقوق العبادة للجميع دون تفرقة أو تمييز بعيدا عن الاستئثار أو اضطهاد غير المسلمين، وسنبقى في "انتظار الحق الذي لم يخن الحق" على حد تعبير الشاعر السوداني الراحل محمد الفيتوري!

"
هل تؤيد قرار وزير التعليم بمنع دخول الإعلاميين للمدارس إلا بموافقة مسبقة؟

هل تؤيد قرار وزير التعليم بمنع دخول الإعلاميين للمدارس إلا بموافقة مسبقة؟