رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

"الترزي" ملك الوكالة في موسم العيد

الأربعاء 21/يونيو/2017 - 02:33 ص
عم مينا صليب
عم مينا صليب
عدى إبراهيم
طباعة
الغلاء دفع البسطاء لإصلاح الملابس القديمة بدلا من شراء الجديدة 
العيد «الموسم الذهبى» لترزية الوكالة.. والشغل متواصل «ليل نهار»

كهوف ضيقة لا تدخلها أشعة الشمس، رثة المظهر تعجز بداخلها أن ترى كف يديك إلا من خلال المصباح الذي ينير المكان بأكمله، عقد ووصلات تمر على حوائط المكان بأكمله حتى تصل إلى «فيشة» الكهرباء التى تشعل نور الرؤية وماكينة الخياطة فى آن واحد.
هنا يمكث عم مينا صليب منذ ٤٤ عاما فى ورشته للخياطة بـ«وكالة البلح» لا يبرح مكانه أمام ماكينة الخياطة إلا لقضاء الحاجة على بعد خطوات بسيطة من مقعده، فالمكان كله تحت الأرض بدرجات ثلاث، حيث توجد العائلة كلها «أم وثلاث بنات» بالإضافة إلى عم مينا وماكينة الخياطة كما يقول «المكنة مش حديد، المكنة أكل عيشنا ولازم نحسبها واحد مننا».
سنوات طوال قضاها العم مينا صليب أمام تلك الماكينة لخياطة ما قطع، وتضييق ما زاد حجمه، وتقصير ما طال عن اللزوم، إلا أنه كان يشعر أن يوما سيأتى وينتهى فيه دوره، خاصة وأن الصين لم تترك للناس الفرصة للتفكير، فكل شيء خاضع لسياسة الاستخدام الواحد، فإن قطع بنطال فعليك بشراء غيره، خاصة أن ثمن البنطال الصينى ٦٠ جنيها فقط، فى وقت يمكنك أن تشترى طقم العيد بالكامل من الوكالة بـ ١٠٠ جنيه فقط، ومع تبدل الحال، لتصبح تلك «البريزة الكبيرة» لا تحمل من صفاتها إلا اسمها الدارج كـ«بريزة» لا تقوى على شراء أى شيء فى أيامنا، التى أصبح فيها الحصول على تيشيرتات الوكالة يتطلب أوراقًا من البنكنوت، تتخطى فى بعض الأحيان حدود تلك «البريزة» ليبرز هنا دور «الترزي» الذى يصلح ما أفسده الزمن، ليتمكن المواطن من استخدامه مرة أخرى، أو على الأقل يسمح للناس بشراء البنطال الصينى الفضفاض بشكل زائد عن الحد، والذى يباع على الرصيف تحت شعار «أى حاجة بـ ٨٠ جنيه» ليأتى المواطن إلى هنا من أجل «تأييف» البنطال وعيد سعيد على الجميع كما يقول عم مينا.
يستعيد عم مينا ذكريات الماضى فيقول: «زمان كان الأمر مرعبا بالنسبة لي، ماذا لو قرر الناس شراء بنطال جديد بدلًا من إصلاح المقطوع مثلا، كانت مخاوف كبيرة من انتفاء مهنتنا التى نأكل منها العيش، خاصة فى السنوات الأخيرة، حيث بدأت الشركات تنتج الملابس التى ترسم الجسم للناس، فلا يحتاج الولد أو البنت إلى الترزي، فالبنطال شبه مضبوط بالشعرة، لا طويل ولا حتى واسع، بل ووصل إلى كونه «مطاط» يأخد ويدى مع الزبون، ولكن منذ أن بدأ الغلاء وخاصة بعد التعويم كل حاجة تغيرت، فأسعار كل السلع فى الطالع، والملابس فى الوكالة أصبحت لا تختلف كثيرًا عن خارجها، لتبدأ المحلات فى الاستعانة بنا، خاصة وأن هناك محلات أصبحت متخصصة فى بيع القديم، وأخرى متخصصة فى شراء البالة من دول أوروبا لتبيعها فى الوكالة بأسعار تقل عن أسعار بقية الملابس، بعد حساب تكلفة الترزي، من الآخر أصبح الترزى هو ملك الوكالة.
ويضيف ترزى آخر مساعد له يدعى محمود السنوسى وهو يضع يده على ماكينته التى يحكم قبضته عليها، وكأنها روحه التى يمنعك حتى من لمسها خشية المساس بأكل عيشه فيقول: «الفكرة بسيطة الزبون يبحث الآن عن «هدمة» نظيفة محترمة تكف عنه ألسنة الجيران والأصدقاء، فكل واحد وواحدة منا يسعى ليحسّن من مظهره، واضعًا فى الاعتبار ما قد يتكلفه من أموال نظير هذا التحسين، وببساطة الترزى يمكنه التكفل بتلك المعادلة، فالبنطالات أو القمصان التى تباع مثلا على الرصيف، والتى دائمًا ما تجدها واسعة بشكل زائد، أو حتى قميص أخيك الكبير الذى ضاق عليه يمكن أن يجعل مظهرك جيدا للغاية بعد أن تخرج من عند الترزى «ظابطهم» على جسمك، وهو ما انتبهت إليه المحلات الآن، ونحن نضبط البنطلون بـ ٢٠ جنيها فقط، والقميص قد يزيد أو ينقص عن ذلك، على حسب الشغل الذى سيتطلبه القميص، فشراء الزبون للقمصان بـ ٤٠ جنيها وضبطها عند الترزى بـ ٢٠ جنيها أخرى، قد يجعلك حسن المظهر، مع الاحتفاظ بقدر كاف من البنكنوت فى جيبك.
ترزى آخر يدعى رزق الغندور يجاور السنوسي، فلا يفصلهما سوى «ملاية بيضا» تحدد نصيب كل منهما من المحل اللذين اشترياه معا منذ ١٢ سنة، وقتما كان الأسطى رزق أحد تجار الملابس بالوكالة، ولكنه تحول إلى ترزى يبيع ويصلح الملابس، فبدلًا من استيراد البالة من أوروبا ثم يشتغل عليها الترزى ويبيعها صاحب المحل، قرر أن يظفر بالمكسب كله للمحل ويقول:
«أنا متربى فى الوكالة منذ أن كنت فى الثامنة من عمري، وأعرف كل طرق المكسب فيها، وأهم شيء هو دراسة نفسية الزبون، وكل من يأتى للوكالة لا يطمح فى مساعدة التاجر، هو يحاول مساعدة نفسه فقط، فلو كان معه ما يكفى من الأموال، لذهب إلى المولات أو على الأقل اشترى من محلات وسط البلد، ولكنه جاء إلى الوكالة أملًا فى شراء أفضل شيء بأقل سعر بما يتناسب مع إمكانياته المادية، ومع انتشار موضة «استيراد البالة» كان لا بد من المواكبة، لأن الوكالة الآن أفضل مكسب فيها للترزي، فهو الملك هنا الآن، يأتى إليه الزبون لجعل لبسه يضاهى لبس من يشترى من المولات خاصة البنات، التى تصر على تضييق كل شيء حتى «عبايات الصلاة» فالموضة وعصرية المظهر شيء أساسي، والحمد لله شغلى كترزى جعلنى من الذين لهم كلمة مسموعة هنا فى المنطقة، ولكن البحر يحب الزيادة، ولذلك حاولت شراء البالة التى يشتريها المواطن ليقوم بتضييقها، فالزبون يأتى ليتشرى ويضبط هدومه عند الترزى وكله فى محل الأسطى رزق، وأنا الكسبان.. وإن استمر الحال على ما هو عليه ستتحول كل محلات الملابس إلى محلات «ترزية» لأن الغلاء ياكل فى بيوتهم قبل البضاعة، وأكبر دليل على ذلك «شغل لبس العيد».
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟