رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

عادل عبدالرحيم يكتب.. طائر الموت الحزين في صعيد مصر

الجمعة 09/يونيو/2017 - 01:57 م
البوابة نيوز
طباعة
"كنت فين يا وعد يا مقدر.. دي خزانة وبابها مسكر".. بكائية من بين مئات بل آلاف المواويل الحزينة التي يهرع إليها أهالي الصعيد في جنوب مصر في أحزانهم العديدة والمتوالية، كلمات قصيرة لكنها قاتلة تصبغ القلب بالسواد، وتفوح منها رائحة الموت الممزوجة بالدم، عبارات لا تخلو من الموسيقي والشجن، لكنها موسيقي سوداء، تعزفها نساء الصعيد في سيمفونية جنائزية تتكرر مع كل مذبحة ثأرية جديدة.. ولكن يبدو أن طائر الموت الحزين قد عشش في بيوت الصعايدة، بعدما أعجبته تلك الأنشودة اليومية التي يعزفها الإنسان والطبيعة في صعيد مصر.

حيث شهدت محافظة سوهاج منذ ساعات مذبحة بشرية بشعة على خلفية خصومة ثأرية بنجع "عبدالله" التابع لقرية الشيخ مكرم في محافظة أسفرت عن مقتل 6 أشخاص من بينهم طفل يبلغ من العمر 10 سنوات.
وأغلقت أجهزة الأمن مداخل ومخارج القرية المنكوبة وبدأت البحث عن المتورطين في المذبحة لإلقاء القبض عليهم، فيما تم الدفع بعدد من العناصر الشرطية في الزراعات للبحث عن المشاركين في المذبحة، وسط إجراءات أمنية مشددة وتم فرض حظر التجوال.
وتعود بداية الواقعة عندما تبادل عائلتي الطرامنة والشواخين إطلاق الأعيرة النارية بالأسلحة النارية في الزراعات منا نتج عنه مصرع 6 أشخاص بينهم طفل يبلغ من العمر 10 سنوات وشخص كان مارا بالمصادفة في المنطقة، وتبين أن الواقعة جاءت على خلفية خصومة ثأرية سابقة بين العائلتين.
وتعتبر هذه الحادثة هي الأكبر من حيث عدد الضحايا على مدار السنوات الثلاثة الماضية منذ آخر مجزرة ثأرية كانت محافظة أسيوط قد شهدتها والتي راح ضحيتها أربعة أشخاص من عائلة واحدة بينهم أب وابناه، وأصيب خامس بقرية صنبو بمركز ديروط.
كانت مجموعة من عائلة أولاد عمر قد قامت بالتربص لمجموعة من عائلة الشوافع أثناء عودتهم من الحقل وأمطروهم بوابل من الرصاص ليلقى أب وولديه وقريبهم مصرعهم جميعا، وأصيب الأبن الثالث للمجني عليه الأول، وذلك انتقاما لمقتل أحد أفراد عائلة أولاد عمر منذ شهرين.
تغير خريطة الثأر بعد 25 يناير
وفي الواقع فإن عادة الثأر ظلت لسنوات طويلة مشكلة في الصعيد لاعتبارات متعلقة بالفقر والجهل والتهميش والعصبية القبلية‏..‏ لكنه تحول الي ظاهرة ملفتة في الوجه البحري حتي أن معدلاته هناك أصبحت الأعلى ليصبح مرتبطا بعد‏25‏ يناير بالسياسة وفرض السطوة والانتقام‏.
حيث تغيرت خريطة الثأر في مصر، فبعد أن كان الثأر محصورا في المثلث الدموي بالصعيد والذي يشمل محافظات أسيوط وسوهاج وقنا اصبح الآن ظاهرة في الشرقية والمنوفية والإسكندرية والغربية والدقهلية.
البعد الاخطر أنه بعد ثورة 25 يناير ساد مفهوم ان كل شخص يريد الآن أن يأخذ حقه بيده بدلا من اللجوء الي القانون بل إن الثأر في الوجه البحري وكما تقول الدكتورة سامية الساعاتي أستاذ علم الاجتماع ارتبط بالحراك السياسي ولم يعد ناتجا عن العصبيات العائلية او القبلية.. كما هو الحال في الصعيد.. نتيجة الأعراف والعادات والتقاليد التي لا يمكن التنازل عنها.

عقيدة اجتماعية
التار ولا العار يا بوي".. عبارة يعرفها كل من ينتسب لصعيد مصر وهي تعبر إلى حد كبير عن فلسفة جريمة الثأر وتكشف أيضا عن أسرار صناعة الإجرام في الصعيد وهي في هذا لا تعرف تمييزا بين غني وفقير أو متعلم وجاهل، فهناك الكل يحمل السلاح دون أن يخفي حاله بل في معظم الأوقات لا يكلف القاتل الشرطة عبأ البحث عنه ويقوم هو بتسليم نفسه ويعترف بافتخاره بدون ضغط أو إنكار بقيامه بالقتل ويعلنها بكل ارتياح "أخذت تاري يابيه".

الصعيد فوق النار
صعيد مصر.. ياله من منطقة حالكة الظلام، فبين سواد الفقر وهوان الجهل والمرض الذي تقبع فيه أكثر القرى في جنوب مصر، تنفجر الأوضاع من آن لآخر لنفتح عيوننا على حادث غدر يسمونه الثأر، وأخطر مكامن زائر الموت هذا أنه يأتي من حيث لا تحتسب، كما أنه يقتل من لا يستحق القتل، ومن آن لآخر تنعقد جلسات صلح هنا وهناك لتصفية الخصومات الثأرية لكنها غالبا تكون عبارة عن "فض مجالس" بحسب اللتعبير المصري الدارج.
ويشكل عام فإن الحزن لدى سكان الصعيد ليس بالأمر الطارئ أو العابر، بل انه نسق حياة متكامل، ويحتل الثأر بما يخلفه من موت وخراب مكان القلب منه، والمرأة الصعيدية تكاد لا تخلع السواد طوال عمرها، ولا تقتصر مراسم الحداد على الملبس فقط، بل يمتد إلى المأكل وكل اوجه الحياة المتعددة، فتغلق أجهزة التليفزيون ويتوقفون عن أكل اللحوم وعمل الكحك في الأعياد، وتتوقف حفلات الزفاف وتختفي كل ملامح الفرح.
ولا تقل فترة الحداد لدى المرأة الصعيدية عن عام كامل وربما يمتد الحزن مدى الحياة إذا كان الفقيد زوجًا في منتصف العمر أو ولدًا في مقتبل الحياة، وإذا ما حاول أحد الخروج عن تلك التقاليد الصارمة أعتبر ذلك خيانة لذكرى وروح الفقيد. والمرأة الصعيدية هي الحارس على خزانة الأحزان، والمقاوم بعنف لأي محاولة لخرق تلك المراسم العتيقة.

القتل عادة يومية
وعلى الرغم من انتشار التعليم في محافظات الصعيد في السنوات الأخيرة، ووصول معظم الخدمات من مياه وكهرباء واتصالات، إلا أن عادة الثأر لم تتراجع عن واجهة الحياة في تلك المنطقة القاسية والمقفرة من جنوب مصر، بل إن هذا التعليم وتلك الخدمات تم توظيفها لتطوير عملية الأخذ بالثأر، وتحول المتعلمون إلى ما يمكن أن نسميه "جناحا سياسيا" لعائلات وقبائل الصعيد، حيث يقوم هؤلاء بالتخطيط وإدارة عملية الثأر وما يعقبها من إجراءات قضائية أمام المحاكم.
بينما يتولى الأفراد الأقل تعليما في العائلة دور "الجناح العسكري"، حيث يقومون بشراء الأسلحة وإخفائها حتى تحين ساعة "أخذ الحق" والانتقام لقتلاهم، في حين يتولى التمويل أثرياء العائلة من التجار وملاك الأراضي، كما يقوم هؤلاء بالإنفاق على أسر من يقتلون أو يسجنون في مسلسل الثأر الدامي.
وتعطي أعراف الثأر حصانة خاصة للضيوف، فلا يجوز مهاجمة الخصم إذا كان بصحبته أحد الضيوف، ويتشدد أهالي الصعيد إذا تعرض ضيوفهم للإيذاء، ويعتبرون دم الضيف مضاعفا، فالضيف برجلين، وكذلك الأمر بالنسبة للنساء، فالمرأة برجلين، وان كان من النادر للغاية سقوط قتلي من النساء في حوادث الثأر، خاصة انه ربما تكون المرأة من عائلة أخرى غير عائلة زوجها، وهنا تتسع مساحة الخصومة لتشمل عائلة جديدة وهو ما يحرص الصعايدة على تجنبه.

موت وخراب بيوت
والمطالبة بالثأر لها ضوابط معروفة في الصعيد، فالأبناء هم الأحق بالقصاص لدم أبيهم، يليهم الأخوة الأشقاء، فالأخوة غير الأشقاء، وإذا لم يكن للقتيل أبناء أو أخوة، فحق المطالبة بالدم ينتقل إلى أبناء العم الأشقاء، ومنهم إلى أبناء العمومة غير الأشقاء، والثأر في الصعيد لا يلزم سوى أقارب "الدم" أي من ناحية الأب، ولا علاقة لأقارب الأم بعملية الثأر، وان كان الأمر لا يخلو من الدعم والمساعدة.
أما فيما يتعلق بمن يتم أخذ الثأر منه، فالأمر أكثر تعقيدا، ففي الغالب يتم استهداف القاتل باعتباره المسئول عن اندلاع الخصومة، ولكن في بعض الأحيان تحرص بعض العائلات على قتل من يوازي في أهميته وعمره رجلها المقتول، فإذا كان المقتول أحد كبار العائلة تم قتل من يساويه مقاما في العائلة الأخرى، وإذا كان القتيل شابا يتم اختيار أحد شباب الخصوم، وفي كل الأحوال يتم الحرص على أن تقتصر دائرة الثأر على القاتل أو الدائرة الضيقة من أقاربه ممن يشتركون معه حتى الجد الخامس.
وتختلف عائلات الصعيد في تعاملها مع قضية الثأر بحسب قربها أو بعدها عن المناطق الجبلية، فالقرى القريبة من المدن تقتصر عملية الثأر داخلها على الدائرة الضيقة القريبة من القاتل، ولا يخرج الأمر عن القاتل أو أحد إخوته أو أبنائه، وكذلك الأمر بالنسبة لـ " أولياء الدم "، فمن يقوم بالثأر هو ابن أو أخو القتيل أو أحد أبناء عمومته الأشقاء، ويطلق الصعايدة على هذا الأمر مقولة " المعركة عيلة.. والقتيل بيت "، بمعنى أن العائلة تشارك بأكملها في التشاجر، ولكن حين يقع القتيل يقتصر الأمر على بيت القاتل والقتيل فقط، وينحصر دور باقي أفراد العائلتين في الدعم والتعضيد.

وراء كل ثأر.. امرأة
على الرغم من أن الدراما التليفزيونية والسينمائية أظهرت المرأة الصعيدية في صورة المقهورة والمظلومة التي تحرم من طفولتها ومن حقها في التعليم ومن ميراثها الشرعي.. وغيرها من الصور السلبية التي ترسخت في الأذهان عن نساء الصعيد، إلا إن الواقع يختلف كثيرا، فالمرأة ربما تكون مقهورة ومحملة بالكثير من الهموم والأعباء، ولكن هذا الأمر ينطبق - أيضا - على الرجل الصعيدي، فالطبيعة القاسية في جنوب مصر من فقر وبطالة وجهل ونقص في الخدمات لا تفرق بين رجل وامرأة، فالكل تحرق بشمس الصعيد اللاهبة وعاني من تقاليده الجامدة الصارمة، ولا يملك أحد التملص من تلك التقاليد إلا اتهم بالجبن والعقوق.

ومن المفارقة أن المرأة الصعيدية تلعب دور الحارس على تلك التقاليد، وعلى رأسها بالطبع الثأر، فالمرأة تكاد توهب حياتها بالكامل للثأر لأب أو زوج أو أخ أو ابن قتل غدرا، وتتصدي لأي محاولة من أفراد أسرتها للتهرب من " الدم "، وشهد الصعيد عشرات النسوة اللاتي بتن يدعين الله ليل نهار أن يحفظ لهن الابن والأخ، لا لشيء إلا ليأخذ ثأر عائلته، فالمرأة الصعيدية ترضع ابنها وتربي شقيقها على أن الثأر مرادفا للرجولة، وانه قدر محتوم لا مفر منه، وفي أحد حوادث الثأر استدرج شقيقان قاتل أخيهما لتناول العشاء ثم ذبحوه وقدموا رأسه هدية لأمهم.

ولا تتردد المرأة الصعيدية في تهديد ذويها بأنها سوف تأخذ ثأر العائلة بنفسها إذا ما لاحظت تباطأ من جانب الرجال، وكثيرا ما تقدم على "حلق شعرها" بالكامل، وناهيك عن تريدها الدائم لتلك المواويل البكائية الممزوجة بالدم المعروفة بالعويل أو المندبة، فهي تستحث الأعمام على أخذ ثأر أخيهم على لسان ابنه الرضيع "وصيت يا بايا علينا مين‏..‏ قلب قاسي ولا قلب حنين"، ثم ننتقل إلى الأخوال "يا خال ربيني ووديني حداك.. لابد أبويا يوم الرحيل وصاك".

وإذا لاحظت المرأة الصعيدية تباطؤً من جانب الأقارب فإنها تتوجه إلى طفلها الصغير باعتباره الأمل الأخير "يا بويا هات لي توب مايدوبشي‏.. ‏ ده العم ولا الخال ما يدومشي"، فتغرس في نفس الطفل عشق القتل بهدف الثأر وإن كانت تعلم أن ثمن هذا سيكون ضياع فلذة كبدها نفسه الذي حتما سينتهي مصيره إما بالقتل أيضا أو بالإعدام أو حتى بالأشغال الشاقة على أقل تقدير وفي جميع هذه الأحوال فإنها لن تراه ثانية لكنها رغم هذا لا تتخلى عن عقيدة الثأر أبدا.

والمرأة الصعيدية لا تقف عند حد التحريض فقط، بل إنها في بعض الأحيان تحمل السلاح، وهو ما حدث بالفعل في إحدى قرى محافظة قنا، فبعدما التهم الثأر من الرجال من التهم، وابتلع السجن الباقين، تدربت المرأة على استخدام السلاح وحملت البنادق الآلية، وأخذت على عاتقها رعاية الأرض والأطفال.
وقد شهدت قنا أشهر حوادث الثأر التي نفذتها امرأة، حيث أقسمت امرأة اسمها "ليلى" على الثأر لإخوتها الثلاثة الذين قتلوا غدرا، خاصة أن أبناءها وأبناء إخوتها مازالوا أطفالا، وأصرت على أنها ستأخذه مضاعفا، وحلقت شعرها، وارتدت ملابس الرجال، وحملت مدفعا رشاشا، وانتقلت للإقامة في الكهوف ووسط زراعات القصب، وظلت تراقب أعداءها سنوات طويلة حتى حانت اللحظة الحاسمة، وعلمت أن قاتلي إخوتها يستقلون سيارة ميكروباص لتأدية واجب العزاء بإحدى القرى، فانتظرتهم عند مدخل القرية، وأوقفت السيارة وطلبت من السائق النزول لأنه ليس من نفس العائلة، وحصدت 12 شخصا من خصومها.‏
والقاسم المشترك الذي يجمع كافة حوادث الثأر هو الدموية والتشدد والتباس مفاهيم الشرف بالدم، وعدم تغليب مبادئ العفو والتسامح بين البشر، ويكاد يقع أغلب من تنزلق قدماه لهوة الثأر أسيرا لعادات اجتماعية ومفاهيم بالية تدفعه دفعا لسفك الدم، فيروي أحد المكروبين بالثأر أنه حين يذهب لشراء علبة سجائر ويعطي التاجر عشرين جنيها مثلا ( أقل من 4 دولارات ) وينتظر باقي نقوده فإن البائع ينهره قائلا: "لا حق لك عندي، انت جاي تاخد حجك مني ما تروح تاخده من فلان اللي قتل واد عمك".
وعلى هذا النحو تظل مناورات الدفع نحو ما يعتبرونه القصاص وهو انتقام أعمى، فلعلك تعجب إذا علمت أن جريمة الأخذ بالثأر لا توجه في الغالب للقاتل بل أن الأسرة التي لها ثأر عليها أن تختار أقوى وأعلى شخصية من عائلة الخصم حتى يحترق قلب العائلة عليه وتكون خسارتهم فادحة، وعلى هذا النحو يدفع الصالحون الناجحون "اللي عليهم العين" كما يقال، ثمن جريمة لم يقترفها بل ربما ارتكبها أحد أقاربه المنبوذين المحسوبين عن طريق الخطأ لعائلته.
"
هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟

هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟