رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

كيف قضى المسلمون أول رمضان في التاريخ؟

السبت 20/مايو/2017 - 10:11 م
رمضان
رمضان
أسيوط - حسـنى دويـدار
طباعة
بعد أن توجه المسلمون إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس كقبلة في شهر شعبان من العام الــ 2 هــ.. فرض صيام رمضان. 
يقول الدكتور "عبد الحليم محمود " في كتابه: الرسول صلى الله عليه وسلم.. لمحات من حياته وأنوار من هديه وبالتحديد في صفحة 144 " فرض رمضان في السنة الثانية من الهجرة وبذلك يكون أول صيام للمسلمين في التاريخ " يوم الأحد الموافق 1 من رمضان عام 2 هـ الموافق 26 فبراير عام 4 62 م ".
وعن عدد شهور رمضان التي صامها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أجمع العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم صام تسع رمضانات، لأنه صلى الله عليه وسلم توفي في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة.
"البـــوابـة" تدرس بهذا الملف الزمان والمكان والمجتمع أوان أول رمضان في التاريخ وبالمراجع التي تؤيد الدراسة:
المكان:
فرض أول رمضان والمسلمون بكثرتهم في يثرب وقلة منهم محبوسون في مكة أو مرضى وجزء منهم لم يعلنوا إسلامهم ولكنهم كانوا بمكة عيونا للمسلمين مثل " العباس " عم الرسول الرسول صلي الله عليه وسلم.. يقول ابن هشام " لم يبقَ في مكة من المسلمين إلا محبوس أو مفتون وأصبحت مكة بعد الهجرة بها بيوت ليس بها ساكن أو بيوت مغلقة " والعجيب أن موقف مكة من المسلمين لم يكن متفقا مع السماحة التي تمارسها مع اليهود والنصاري والمجوس والصابئين بل والعجيب أن مكة قد وضعت تمثالا للعذراء وهي تحمل طفلها بين تماثيل معبوداتها وأصنامها أي كانت مكة تسمح لكل الديانات بممارسة طقوسها الدينية عدا المسلمين فلا صلاة ولا طقوس لهم !! 
في البداية ارتبط ماضي مكة التاريخي بالبيت الحرام وبئر زمزم الذي يرجعه البعض إلي القرن التاسع عشر قبل الميلاد وهي الفترة التي ترك فيها سيدنا إبراهيم زوجته المصرية هاجر وولدها إسماعيل هناك، وأرجع البعض بداية بناء البيت العتيق إلي عهد آدم عليه السلام وإن كانت هناك جمهرة تري إن البيت العتيق يسبق ةجود آدم علي الأرض، وتقع مكة في واد شحيح الماء قليل الزراعة وأشبه بحوض جبلي تحوطه مرتفعات جرداء تشتد حرارته صيفا وكذلك يشتد جفافه،أما عن أصل سكان مكة الأوائل فيرجعه البعض إلي قبل عهد إسماعيل عليه السلام إلي العماليق أولاد عملاق بن ارفخشذ بن سام بن نوح وإن كان انفجار ماء بئر زمزم تحت قدمي إسماعيل عليه السلام أحد الدوافع الأساسية التي جعلت القبائل العربية تهوي إلي مكة.
وكانت قبيلة "جرهم" القحطانية أسبقهم، ثم جاء الأزد من اليمن وعلى رأسهم خزاعة، واستقرت الأوضاع السياسية وخدمة الكعبة في يد خزاعة.
ومع بداية القرن الخامس للميلاد نجح قصي جد الرسول صلى الله عليه وسلم في تزعم " قريش" وهي بطن من كنانة وأطلق عليها " قريشا " لاحترافها التجارة، وقد نجح قصي في أن يترأس حكم مكة وأن يجلي " خزاعة، بكر وخزيمة " إلى بطن مر في وادي فاطمة،وأطلق عليهم " الأحابيش " بمعني الموالي وأصبحت السيادة لقريش والمعروف أن قريش كانت منقسمة إلي: " قريش الأبطح " وهم أهل ثراء وتجارة وعاشوا حول الكعبة داخل مكة،و " قريش الظواهر " وهم أهل سطو وغارة وعاشوا في الشعاب والمرتفعات وحول مكة. 
ويعتبر "قصي" أول من أنشأ " دار الندوة "وهي سابقة تاريخية للعرب حيث توصلوا بهذه الدار إلي تنظيم ديمقراطي ارستقراطي للحكم.
عوضت " قريش " قلة إنتاجها الزراعي والصناعي بالتوسع في التجارة المحلية، وكانت لها أسواق مشهورة مثل " سوق عكاظ وحباشة وذي المجاز ومجنة " وهذه الأسواق كانت تقام في الأشهر الحرم لبيع وشراء وتسويق السلاح والحبوب والتمر والعبيد والإماء والعنب والتين والمنسوجات والإبل.
وتوسعت قريش في تجارتها الدولية خاصة بعد اشتداد الصراع بين الحبشة واليمن وبيزنطة والفرس.. واستفادت قريش من هذا الصراع فكانت معاملاتها التجارية الدولية مع الأطراف المتنازعة بحياد وتوازن عجيب.
والعجيب أن " هشام بن عبد مناف " نجح في عقد معاهدة تآلف مع قيصر الروم وحكام الشام وغزة والقدس وبصري وحوران،هذا التآلف خدم التجارة،ونجح "نوفل " و" المطلب " ولدا "عبد مناف"في ابرام تآلف مماثل مع الفرس والحيرة،ونجح " عبد شمس " في ابرام تآلف مع الحبشة وشرق افريقيا وبذلك أصبح لقريش إيلاف رحلة الشتاء والصيف. 
وكان من الصعب أن تجد سوقا في أي مكان من أرجاء المعمورة في ذلك الحين ولا تجد بها تاجرا من قريش، وبلغت قوافل تجارة قريش ما يزيد علي ألفي بعير.
ضمت مكة بداخلها بجانب البطون القريشية أعدادا من التجار الأجانب الذين يقيمون بها بشكل دائم أو مؤقت من الروم ومصر والحبشة وفارس والشام وفرضت عليهم حكومة مكة المكوس والعشور وتوصلت إلى ما يسمى بـ"حلف الفضول"، وذلك حتى لا يظلم في مكة غريب أو قريب!! 
وكما نجحت في التجارة المحلية والدولية نجحت في التجارة البحرية ووصلت بتجارتها إلى الهند وشرق آسيا.
أيضا تمكنت مكة بحكم نشاطها التجاري والأسفار العديدة من أن يكون لها طابع حضاري خاص يجمع ما بين الأديان الوثنية والكتابية،ويجمع العرب مع طوائف غيرعربية ويجمع الأحرار والموالي والرقيق والجواري - هذا الطابع المميز أثري ثقافتها ولغتها وأشاع فيها عملات واوزانا وصناعات وفنونا جاءتها من أركان الدنيا،حتي أن " ابن هشام " في السيرة النبوية يؤكد: أن نجارا مصريا " قبطيا " يدعي " باخوم " قد شارك في إعادة بناء الكعبة،قبل البعثة المحمدية بسنوات. 
كان الثراء الفاحش وعدم الاطمئنان والصراع السياسي المحتدم في أركان مكة أحد الأسباب الأصيلة في شيوع الفساد بين زعماء قريش وانعكس الفساد الاحتماعي بين الطبقة الحاكمة ليزداد قسوتها وتسلطها علي الطبقات الدنيا خاصة من الأجانب والموالي،وشاع الفساد الاخلاقي بين الاكابر شبابا وشيوخا حتي ضاقت الدنيا علي من تمسك بمكارم الأخلاق أو حصل علي قسط من الثقافة، فأصبح الجهل ميزة.. والغلظة حسنة.. والفساد مفخرة.. والزندقة والسرقة ووأد البنات سمة أهل مكة -وكان صفوة من يمثل هذا الاتحاه في مكة " أبو لهب " و" النضر بن الحارث " و"عقبة بن أبي معيط " و" أبو جهل بن هشام " و" أمية بن خلف " ووسط هذا الظلام نزل جبريل الأمين بالوحي على سيد البشر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
الزمان:
قبل أن يفرض على المسلمين صيام رمضان في السنة الـــ2 هــ هناك سنوات سابقة يجب ذكرها لأنها سوف توصلنا إلى هذه السنة. 
أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة 3 سنين من أول نبوته متخفيا حتى أمر أن يعلنها في السنة الرابعة، وواجهته مكة بعنف لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري إلا أن نور الإسلام سطع في أفئدة قلة من المستضعفين وظل الصراع محتدما بين الرسول وقريش حتي جاء عام الحزن الذي توفي فيه أبو طالب عم الرسول ثم بعد بــ 3 أيام فقط توفيت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها.. وبموتها هجر الرسول صلى الله عليه وسلم داره إلي بيت أم هانئ بنت عمه أبي طالب أو إلب الحجر في الكعبة في حراسة " المطعم بن عدي " أو إلي أي دار من ديار بني هاشم وازداد حزن الرسول صلى الله عليه وسلم في عام الحزن عندما ذهب إلي الطائف ليدعو إلي الله ورسوله ولكن ما أصابه في الطائف كان قمة مأساة عام الحزن.. ولم يتمكن الرسول صلى الله عليه وسلم من العودة إلي مكة إلا بعد أن أجاره " المطعم بن عدي " وبعدها رفض " الأخنس " و" سهيل بن عمرو " جواره، ولولا المطعم لمنعته قريش من دخول مكة والوصول إلى داره وعشيرته!!
وفي عام الحزن أسرى به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلي السموات العلا وحتي سدرة المنتهي، والإسراء يعتبر اختبارا لقلوب المسلمين فالإسلام مقبل على مرحلة جديدة تمثلت بعد ذلك في الهجرة وهو في حاجة إلى أن ينفض عنه المنافقون، ويتمسك به الموقنون وقد كان الاسراء في ذاته فتنة للناس من خلالها تأكد اسلام الصحابة، وارتد ضعاف النفوس. 
وبعد الإسراء عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه علي القبائل العربية في مواسم الحج وبعد أن رفضته القبائل مرات عديدة بخشونة قابل 6 من خزرج أهل يثرب وهم " أسعد بن زرارة " من عدس، و" عوف بن الحارث " من بني النجار، و" رافع بن مالك " من بني زريق،و " قطبة بن عامر بن حديدة " من بني سلمه بن سعد، و" عقبة بن عامر " من بني حرام بن كعب، و" جابر بن عبد الله " من بني عبيد بن عدي بن ساعدة. وأسلموا.. ورجعوا إلي يثرب يدعون إلي دين الله وتواعدوا علي العام القادم وفي العام التالي أسلم 12 من أهل يثرب " 2 من الاوس و10 من الخزرج " ولم يمر عام إلا وكان اسم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يذكر في ديار الخزرج وبعض ديار الأوس بيثرب وفي العام الثالث جاء من يثرب 93 مسلما ومعهم امرأتان هما " نسيبة أم عمارة " من بني النجار و" أم ميثع أسماء بنت عمر بن عدي "، وكان منهم " البراء بن بعرور سيدهم " وبإسلام " سعد بن معاذ " أسلم بنو عبد الاشهل وأسلم بنو سلمة عندما أسلم " عمرو بن الجموح ". 
ولمدينة يثرب مكان قديم كفله لها تعدد الوديان والعيون والآبار وخصوبة الأرض وبالتالي وفرة مزارعها وحدائقها وكثرة الإنتاج وكثرة السكان فضلا عن وقوعها قرب شرايين التجارة البرية والبحرية مع اليمن والشام ومصر. تحيط بيثرب عدة جبال منها أحد وسلع وسليع وهي جبال ذات ارتفاعات متباينة وكان ليثرب ميناء علي البحر الأحمر يتعامل مع مصر والحبشة وهو قريب بميناء " ينبع" الحالي، ويرجع عمران يثرب ما قبل التاريخ بــ6 قرون وقد جاء ذكر يثرب في تاريخ الملك " اتربيو " آخر ملوك بابل الكلدانية ثم جاء في تاريخ الرحالة بطليموس السكندري في منتصف القرن الثاني للميلاد،وكان لموقعها وثرائها وكثرة عمرانها مدخلا لتعدد طوائف سكانها ويبدأ نسب أوائل سكانها إلي العماليق وقيل " المصريين ".. ثم إلي بطون عربية مثل جزام وسليم وقيس عيلان وتوارث المدينة الاوس والخزرج من العرب وإلي جانبهم طوائف عبرية هم: بنو النضير، بنو قينقاع، بنو قريظة.
كان من الطبيعي للثروة والغني أن يهتم سكان يثرب بحماية المدينة بتحصينات صناعية مثل الصياصي والأطم، شيدت معظمها من الحجارة الضخمة وزودت بالأبراج والآبار والمخازن، ولم يزداد عدد اليهود في يثرب عن ألفي رجل - ويعتبر الأوس والخزر أخوين من الأزد وقضاعة هاجروا إلي يثرب بعد خراب سد مأرب باليمن. 
فيما اشتغل الاوس والخزرج بالزراعة فإن اليهود اشتغلوا بالتجارة والصناعة ولكن سرعان ما استأثر العرب بالسلطة.. وكان وقتها الاوس أكثر أرضا وغني وكان الخزرج أقل، فرق التنافس بينهم السياسي والاقتصادي وحدتهم وعمل اليهود علي ازدياد الخلاف بينهم وظلت الحروب بين الأوس والخزرج تتوالي وظل أغلب النصر للخزرج حتي انهزموا في حرب "بعاث " التي سبقت هجرة الرسول ( ص) إلى يثرب بــ 5 سنوات. 
وقبل الهجرة كان الأوس قد جمعوا كلمتهم برئاسة أبي عامر بن النعمان وأعاد الخزرج تنظيم صفوفهم برئاسة " عبد الله بن أبي بن سلول " الذي كان يستعد لأن يكون ملكا علي يثرب كلها وكان التنافس سرا وعلانية بين الأوس والخزرج من ناحية وبينهما وبين اليهود من ناحية أخرى.
عودة للمكان يثرب أو المدينة أو أسماء عديدة تبلغ ما يقرب من ثلاثين اسما للمكان أصبحت هذه المدينة التي بشر فيها اليهود بالنبي المنتظر وفي أقل من عامين تكاد تعج بالمسلمين.. الذين يمارسون شعائر دينهم بحرية تامة بل وبعد هجرة الرسول صلي الله عليه وسلم أصبح المؤذن يعتلي مكانا مرتفعا مؤذنا للصلاة. وتروي سيرة " بن هشام علي الهجرة الخفية للمسلمين من مكة إلي المدينة وكان أبو سلمة " عبد الله بن عبد أسد المخزومي " وزوجته أم سلمة وولدهما سلمة أول من هاجر من مكة إلي يثرب وبعدهما عامر بن ربيعة وزوجته " ليلى بنت أبي جثمة ".
عودة إلى مكة.. عندما استشعر كفار مكة بخطورة هجرة المسلمين إلي يثرب تحولوا إلي وحوش ضارية تبيح دم المسلمين، وتهتك حرية المستضعفين في الأرض وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه صاحيه أبو بكر الصديق إلي يثرب مهاجرا، وبعد أن وصل الرسول بسلام إلي مشارف المدينة وأقام مسجد " التقوي " أول مسجد للمسلمين داخل المدينة وسط تكبيروتهليل المسلمين وحسد المنافقين وحقد اليهود والبقية الكافرة من سكان يثرب.
عرضت كل القبائل ضيافة النبي ولكنه أكد لهم أن " القصواء " مأمورة، يقول " ابن هشام " في السيرة: " بركت القصزاء عند مربد لغلامين يتيمين من بني النجار، بركت في مكان الدار التي بناها الملك " تبع " للنبي المنتظر، يوم ان جاء إلي يثرب ليقتل أشرافها أخذا بثأر ابنه الذي اغتيل فيها غدرا، ولم يمنعه من الانتقام إلا حبران من اليهود قالا له: " إنها مهاجر نبي مرتقب عظيم الشأن من أرادها بسوء حاك به البوار.. فرق قلبه وبني تلك الدار لتكون هدية من الملك تبع إلى النبي الذي سيهاجر إليها ".
بني رسول الله " ص " مسجد المدينة علي شكل مربع كل ضلع طوله 100 ذراع، أساسه من الحجارة ثم ارتفعت جوانبه بالطوب اللبن.. وجعل فيه منبرا من جزوع النخيل، وله 3 أبواب باب في المؤخرة وباب الرحمن وباب عثمان، وكان " عبد االه بن الزبير بن العوام بن أسماء بنت أبي بكر " هو أول من ولد للمهاجرين في يثرب وأقيم مكان داخل المسجد يأوي إليه المساكين من المسلمين وأطلق عليهم أهل الصفة. 
ملحوظة:
منذ أن نزل الرسول والمهاجرون إلى يثرب قد أصاب اليهود الغم والكدر الرهيب وازداد هذا الغم بازدياد عدد المسلمين وعندما ارتفع صوت بلال مؤذن الرسول بالأذان من فوق صياصي يثرب. 
تنويه: كتب الرسول صلى الله عليه وسلم معاهدة أمن ومشاركة في الغنم والغرم بين الأنصار والمهاجرين وبين يهود يثرب رغم علمه بأنهم لا يحافظون على مواثيقهم. 
وسط هذه البيئة وهذا الزمن.. وبين هؤلاء الرجال فرض صيام رمضان في العام الــ 2 من الهجرة، وقيل: لن يخوض المسلمون حروبهم وغزواتهم ضد الجهل والكفر في قريش.
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟