رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

دور رئيسي ومشرّف للبحرية المصرية وقادتها في حرب أكتوبر

السبت 19/أكتوبر/2013 - 06:45 ص

القوات البحرية المصرية
القوات البحرية المصرية
لواء أ.ح.متقاعد/ حسام سويلم
طباعة
مقدمة
لم تحظَ قواتنا البحرية في احتفالات الذكرى الأربعين لحرب أكتوبر المجيدة للأسف بالإشادة والتكريم الواجبين لدورها الرئيسي والبارز ولقائدها العظيم المرحوم الفريق بحري أ.ح فؤاد أبو ذكري في هذه الحرب. وهو ما يفرض علينا عند الاحتفال بيوم البحرية هذا العام أن نسلّط الضوء على الأعمال العظيمة التي قامت بها بحريتنا وقائدها قبل وفي أثناء حرب أكتوبر في إطار المهمة الأشمل والأوسع لقواتنا المسلحة لتحرير سيناء وتدمير العدو على أرضها وفي أجوائها ومياهها الإقليمية، بل وخارج مياهنا الإقليمية أيضًا.
رجل المهام الصعبة الفريق أبو ذكري
برز دور الفريق بحري فؤاد أبو ذكري قبل حرب أكتوبر بسنوات عندما كان يعمل رئيسًا لشعبة العمليات البحرية عام 1967 عندما خطّط وأدار عملية عودة القوات المصرية من اليمن إلى ميناء أبو الغصون جنوب برنيس، ومن هناك اتّجهت قواتنا مباشرة إلى الجبهة في سيناء. وبعد أن شنّت إسرائيل عدوانها عام 1967 وسيطرت على قناة السويس انقطعت الملاحة بين البحرين الأبيض والأحمر، هنا واجه اللواء أبو ذكري تحدّيًا كبيرًا بسبب احتجاز قطع بحرية من مدمرات (4 مدمرة) وغواصات في البحر الأحمر بعيدًا عن القاعدة البحرية الرئيسية في الإسكندرية، وكانت هذه القطع البحرية مهددة بالتدمير من قبل الطيران الإسرائيلي الذي كان له السيادة الجوية في سماء مسرح العمليات عقب حرب 1967. إلا أنه بفضل الله أمكن (للواء) أبو ذكري أن يوفّر الحماية الذاتية لهذه القطع البحرية ضد الطيران الإسرائيلي المتفوّق، ويوفر لها أعمال الصيانة والإصلاح، ولأطقمها استمرار التدريب رغم بعد المسافة، حيث أعاد تمركزها في ميناء الجديدة باليمن الشماع آنذاك وميناء عدن باليمن الجنوبي، وفي بورسودان حيث وجدت إحدى غواصاتنا التي كلّفت بمهمة اعتراض خطوط الملاحة البحرية لإسرائيل في البحر الأحمر، ونجحت في إغراق ناقلة بترول إسرائيلية في 8 أكتوبر، ومنذ ذلك التاريخ منعت إسرائيل سفنها من الدخول أو الخروج من البحر الأحمر. وبالنظر إلى وجود هذا الحجم من القطع البحرية في البحر الأحمر أنشأ اللواء أبو ذكري آنذاك قيادة فرعية لأسطول البحر الأحمر تحت قيادة العميد أشرف رفعت، وهنا برزت فكرة إغلاق الملاحة البحرية نهائيًّا في وجه السفن الإسرائيلية بالبحر الأحمر من خلال إغلاق مضيق باب المندب بجنوب البحر الأحمر، وبذلك نقضي على حجة إسرائيل في الاحتفاظ بميناء شرم الشيخ بدعوى حماية الملاحة في خليج العقبة من وإلى إيلات.
ومن التحديات الكبيرة التي تصدّى لها اللواء أبو ذكري بعد هزيمة 67 وقبل حرب أكتوبر، إعادة بناء وتنظيم القوات البحرية، واستيعاب أنظمة التسليح الجديدة التي تم الحصول عليها من الاتحاد السوفييتي وشملت لنشات طوربيدات وزوارق وصواريخ ساحلية وزوارق مرور سريعة وكاسحات ألغام، فضلًا عن صيانة وإصلاح وإعادة تعمير القطع البحرية التي استهلكت، خصوصًا تلك التي كُلّفت بإغلاق مضيق تيران طبقًا لقرار الرئيس الراحل عبد الناصر في أواخر مايو 1967، وكان ذلك القرار الذريعة التي كانت تنتظرها إسرائيل لشن عدوانها آنذاك على مصر. حيث تم إرسال هذه القطع إلى الهند وباكستان لإجراء عمرات رئيسية فيها على نفقة الدولتين.
تدمير المدمرة إيلات وحدها أم إيلات وحيفا؟
ولم تكن إعادة بناء وتنظيم القوات البحرية يشغل اللواء أبو ذكري عن تخطيط وتنفيذ عمليات بحرية تعرضية ضد القوات الإسرائيلية، سواء البحرية أو البرية الموجودة على الساحل شمال سيناء، وكان أبرز تلك العمليات إغراق الغواصة الإسرائيلية (داكار) أمام الإسكندرية في مارس 69 بواسطة كاسحة الألغام “,”أسيوط“,”. وقبل ذلك إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات في 21 أكتوبر 1967 بواسطة لنشات صواريخ. وكانت هذه المدمرة تحت قيادة الأدميرال إسحق بني شوشان، تحمل طلبة الكلية البحرية الإسرائيلية في مهمة تدريبية، ولرفع الروح المعنوية للطلبة بإظهار سيطرة البحرية الإسرائيلية على السيادة الإقليمية المصرية شمال سيناء، بل والقدرة على الوصول إلى شمال بورسعيد. وكانت هذه المدمرة قد جاءت أكثر من مرة قرب المياه الإقليمية المصرية لإثبات هذا المفهوم.
ففي الساعة 2200 يوم 20 أكتوبر 1967 رصدت أجهزة المراقبة بالزوار وبصريًّا ظهور أهداف معادية على مساحة تتراوح من 13 إلى 25 ميلًا بحريًّا خارج المياه الإقليمية المصرية طوال الليل وحتى النهار. وفي الساعة 715 صباح يوم 21 أكتوبر رصدت أجهزة الإنذار في قاعدة بورسعيد هدفين يتحركان على مسافة 15-25 ميلًا من ساحل بورسعيد بالتبادل، أي تقترب قطعة من الساحل لمسافة 15 ميلًا في حين تكون الأخرى على مسافة 25 ميلًا. وفي الساعة 1125 تأكد لوسائل الاستطلاع البصرية بقاعدة بورسعيد أن هوية الهدف المعادي هو مدمرة من طراز z (زد) بريطانية المنشأ، وفي سعت 1200 دخلت قطعة بحرية معادية المياه الإقليمية بميل واحد لتصبح مسافتها من الساحل 11 ميلًا فقط وفي سعت 1210 صدقت القيادة العامة على تدمير أي هدف يدخل المياه الإقليمية. وفي سعت 1500 أبلغ ربان السفينة التجارية المصرية (قناة السويس) المبحرة قبالة سواحل بورسعيد برصده قطعتين بحريتين إسرائيليتين قبالة سواحل بورسعيد. وعلى الفور تم رفع درجة استعداد سرب لنشات كومار في بورسعيد بقيادة النقيب أحمد شاكر الذي طلب تعطيل رادار القاعدة البحرية لتأثيره على كفاءة رادارات لنشات الصواريخ بالميناء وفي سعت 1615 كان الهدف البحري على مسافة 14.5 ميل بحري.
وفي الساعة 1620، أبحر لنشان صواريخ (501، 504) في ممر ملاحي غير لافت لنظر العدو وبسرعة بطيئة تجنبًا للرصد. وفي ساعة 1725 تم رصد هدف معادٍ داخل المياه الإقليمية وإطلاق صاروخين من اللنش 504 قيادة النقيب أحمد شاكر، تتبع ذلك ظهور وهج شديد في الأفق وظهور الهدف على رادار اللنشات أصغر من الحجم السابق كدليل لإصابته. وفي الساعة 1730 أرسل النقيب أحمد شاكر إلى القيادة بتمام الاشتباك وتدميره وإغراقه، وبدء عودة اللنشات إلى بورسعيد تنفيذًا لأوامر القيادة، وأذاعت الإذاعة المصرية بيانًا عن إغراق هدف.
وفي الساعة 1800 ومع إعادة تشغيل رادار القاعدة البحرية ببورسعيد واكتشاف وجود هدف في نفس المنطقة، حين ذاك صدرت الأوامر للنش رقم 501 قيادة النقيب لطفي جاد الله، بالاشتباك مع الهدف وتدميره، وبالفعل أبحر اللنش 501 سعت 1830، وتوجه للاشتباك مع الهدف المعادي، وفي سعت 1940 أطلق صاروخين على الهدف المعادي، وظهر وهج شديد في سماء الليل وظهر الهدف كنقاط صغيرة على الرادار كدليل الإصابة، وفي سعت 1947 اختفت أجزاء كبيرة من الهدف المعادي على الرادار. وفي سعت 1955 وصل اللنش 501 إلى مسافة 5 أميال من مكان الهدف وشوهدت المياه مشتعلة مع وجود حطام وبقايا المدمرة في المياه، وفي سعت 2000 اختفى الهدف تمامًا من كل شاشات الرادار وفي سعت 2010 أعلنت إسرائيل رسميًّا عن غرق قطعة بحرية هي مدمرة، ولم تذكر اسمها في البداية، وفي سعت 2015 وحتى 2200 ظهرت طائرات هليكوبتر ولنشات العدو في المنطقة متزامنة مع انسحاب اللنش 501 تجاه الإسكندرية لسحب لنشات العدو التي انطلقت تطارده بعيدًا عن بورسعيد، حيث جنح اللنش قرب قرية عزبة البرج قرب دمياط. وفي يوم 23 أكتوبر 1967 عقد اللواء مصطفى كامل المتحدث الرسمي لوزارة الحربية مؤتمرًا صحفيًّا أعلن فيه تدمير هدفين معاديين وليس هدفًا واحدًا، قائلًا: “,”تم إطلاق صاروخين على هدف متحرك بنفس حجم إيلات، ولكن بسبب الظلام لم يتم التأكد من هويته“,”. ثم عادت القيادة المصرية بعد ذلك وتماشت مع الإعلان الإسرائيلي عن غرق المدمرة إيلات، ولم يتم التطرّق إلى قصة إغراق هدفين مرة أخرى.
ويستند أصحاب رأي تدمير مدمرتين وليس واحدة فقط إلى شهادة النقيب أحمد شاكر في 27 أكتوبر قائد السرب وصاحب الضربة الأولى في نشرة القوات المسلحة قائلًا: “,”رأيت الهدف على الفور يهبط ويغوص في الماء ثم اختفى من شاشة الرادار بعد ثلاث دقائق وعندئذ أمرت اللنش الثاني بالعودة إلى القاعدة“,”. وبالتالي فإن الهدف الذي تم رصده بعد ذلك بنصف ساعة -أي سعت 1800- وتم توجيه اللنش 501 لتدميره، وهو ما تم بالفعل سعت 1940 بواسطة صاروخين، يكون هدفًا معاديًا آخر غير المدمرة إيلات، وهو المدمرة (يافا). يدعم هذا الرأي أن تكتيكات البحرية الإسرائيلية لا تسمح لأي مدمرة بالإبحار بمفردها بل تكون بصحبتها، إما مدمرة أخرى أو لنشات طوربيد كما حدث في المعركة البحرية في 11 يوليو 1967. كما أنه تلاحظ في سجلات البحرية الإسرائيلية إغفال ذكر المدمرة (يافا) سوى سطرين فقط من تاريخ دخول الخدمة في عام 1955 فقط وتحويلها إلى سفينة هدف للتدريب على رماية الصواريخ جبرائيل، وهو ما ليس معقولًا أن تتحول سفينة شبه جديدة وفي حالة ممتازة مثل إيلات الأخت التوأم لها إلى سفينة هدف لضرب الصواريخ عليها حتى غرقت عام 1972؟!
أما الرواية الإسرائيلية التي ذكرها قبطان المدمرة إيلات -إسحق شوشان- والذي أُصيب بكسر في العمود الفقري خلال الهجوم، فإنها تفيد بإرساله رسالة إلى القيادة يقول فيها إن المدمرة تغرق وإنهم يغادرونها، وهو ما يؤكد أن أجهزة المدمرة اللا سلكية كانت تعمل رغم تصريحات الضابط الأول كولمان التي قال فيها إنهم حاولوا إصلاح أجهزة الإرسال لإرسال رسالة استغاثة دون جدوى، ولكن كلمات القبطان شوشان يفترض أنها الأقرب للدقة وهو ما يفسر وصول الطائرات الهليكوبتر واللنشات الإسرائيلية في توقيت متزامن مع ضرب النقيب لطفي جاد الله صاروخيه تجاه المدمرة الأخرى (يافا) التي تحركت لنجدة المدمرة الأولى (إيلات)، ويعني أيضًا أن إيلات غرقت أو بدأت الغرق وطاقمها هجرها قبل بدء اللنش الثاني في إطلاق صواريخه ثم يذكر القبطان شوشان أن مدمرته أطلق عليها 4 صواريخ، الفصل بين الأول والثالث ساعتان ونصف الساعة، وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا انتظر حتى الصاروخ الثالث الذي أصاب المدمرة ليرسل إشارة بأن المدمرة تغرق، وهو ما يوضح أن الرواية الإسرائيلية ملفّقة.
وفي كتاب اللواء بحري محمود فهمي قائد القوات البحرية السابق ورئيس عمليات القوات البحرية في وقت المعركة (صفحة من التاريخ) من ص98 إلى 100، يكشف حقيقة وجود هدفين لا هدف واحد، حيث يقول: وانتقلت إلى مكتب العقيد عادل هاشم حيث البلاغات من قاعدة بورسعيد متلاحقة تنساب كما تنساب الأنغام العذبة في سيمفونية جميلة.. صاروخ نمرة واحد أصاب الهدف.. صاروخ نمرة اثنين طلع.. نمرة اثنين أصاب الهدف.. الهدف تحطّم.. هكذا وفي دقائق معدودة تحطّمت أكبر وحدة بحرية إسرائيلية، لقد غرقت مدمرتهم الكبيرة إيلات، لقد أهنّا كبرياءهم وجوعنا أنفهم. وعلى الفور أمرت بعودة اللنشين إلى القاعدة. الأول بعد أن أطلق صواريخه والثاني محمل بالصواريخ، وعاد اللنشان بعد أن استقبلا استقبالًا حماسيًّا رائعًا من أهالي بورسعيد. كانوا يهللون ويمجدون أبطال البحرية المصرية الشجعان، فقد رأوا كل ما حدث رؤية العين، فلم يكن الظلام قد أقبل إلا بعد أن دخلت اللنشات رصيف القاعدة. ثم يستطرد اللواء فهمي قائلًا “,”وانتقلت أنباء قائد القوات البحرية -اللواء فؤاد ذكري- إلى مكتبه حيث كل منا يهنئ الآخر، كما كنا نتقبل التهاني من كل قريب وبعيد عما أحرزته البحرية المصرية من انتصار عظيم في دقائق معدودة.. غير أنه كان يدق في رأسي الهدف الثاني الذي أبلغنا به صباح اليوم، مدمرة إسرائيل الثانية والتي بسببها استبقيت صواريخ اللنش الثاني دون إطلاق، كنت أتوقع أن تهم المدمرة الثانية لمحاولة إنقاذ ما تبقّى على قيد الحياة من أفراد مدمرتهم الأولى. ونحو السابعة إلا عشر دقائق هرع إلى العقيد عادل هاشم وقال ظهر هدف على شاشة الرادار في نفس مكان غرق المدمرة إيلات أو بجواره قليلًا، فأصدرت الأمر على الفور بخروج اللنش الثاني بقيادة النقيب لطفي جاد الله، وبعد أقل من عشرين دقيقة أسرعت إلى القائد في مكتبه وأخطرته بأننا أغرقنا مدمرة إسرائيل الثانية. عقدت مؤتمرًا صحفيًّا بناء على تعليمات القائد العام للقوات المسلحة حضره جميع مراسلي الصحف المصرية، وعلى رأسهم الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير (الأهرام) في هذا الوقت، وسردت القصة كاملة، غير أن الذي ظهر في الصحف لم يكن على الصورة الكاملة التي ذكرتها الآن لكن الذي يحيّرني.. أن جميع المصادر الإسرائيلية أنكرت غرق المدمرة (يافا) غير أن إسرائيل لم تقدم إلى العالم دليلًا على ذلك، وليس ذلك من طبع الإسرائيليين، فقد كان بإمكانهم عقد مؤتمر صحفي على ظهرها كما فعلوا في مناسبات أخرى.. ولكن الثابت أن تلك المدمرة لم تظهر بعد ذلك وحتى الآن في الموانئ الإسرائيلية أو غير الإسرائيلية“,”.
انتهى كلام اللواء محمود فهمي والذي يؤكد رواية تدمير مدمرتين لا مدمرة واحدة.
الإغارة على ميناء إيلات
وفي إطار حرب الاستنزاف التي بدأت في مارس 1968 وحتى مبادرة روجرز في أغسطس عام 1970، وتنفيذًا لمخطط الإغارات، قامت مجموعة خاصة تسمى (المجموعة 39) بقيادة العقيد إبراهيم الرفاعي بغارة بحرية على القاعدة البحرية الإسرائيلية الرئيسية في البحر الأحمر (إيلات) ونجحت في إغراق وإصابة ثلاث سفن إنزال بحرية إسرائيلية يوم 16 نوفمبر 1969. والعقيد الرفاعي من رجال الصاعقة الذين يتّصفون بالشجاعة النادرة وإعطاء القدوة والمثل لمرؤوسيه في أثناء تنفيذ العمليات الفدائية الكثيرة التي قاموا بها، ومن أبرزها تدمير موقع الصواريخ أرض/أرض في لسان بحيرة التمساح الذي انطلقت منه الصواريخ التي أصابت الشهيد الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان القوات المسلحة يوم 9 سبتمبر 1968 عند زيارته لموقع متقدم عند المعدية نمرة 6 غداة يوم قصف المدفعية لمواقع خط باريلف، فكان هجوم المجموعة 39 على موقع الصواريخ الإسرائيلي انتقامًا لمقتل الشهيد الفريق رياض.
وقد قامت هذه المجموعة بالكثير من العمليات التعرضية داخل سيناء خلال فترة حرب الاستنزاف والدفاع النشط، وكانت عمليات ذات طابع خاص تتسم بالفدائية والمفاجأة، وكانت عملية ميناء إيلات إحدى هذه العمليات التي تطلبت إعدادًا طويلًا في سرية مطلقة وشجاعة كبيرة في التنفيذ. وكان رد فعل هذه العملية شديدًا في إسرائيل للخسائر المادية والبشرية التي لحقت بها، والأهم من ذلك أنها كانت رمزًا لقدرة القوات المصرية للوصول إلى أحد الموانئ البحرية الإسرائيلية في العمق وتنفيذ مثل هذه العملية الجريئة.
الاستراتيجية البحرية لحرب أكتوبر
تستهدف الاستراتيجية البحرية المصرية إلى حصار إسرائيل عن طريق تصديع خطوط مواصلاتها البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط، ومعاونة عمليات قواتنا البرية التي تقاتل على السواحل بالنيران وحماية جانبها المعرض للبحر، مع القيام بعمليات إبرار بحري خلف خطوط القوات الإسرائيلية وعلى أجنابها، وتطوير استراتيجية حصار إسرائيل بإضافة أبعاد جديدة إليها يتعذر على الإسرائيليين التعامل معها. ولما كانت الحرب البحرية تهدف في المقام الأول إلى التأثير على اقتصاد الخصم عن طريق السيطرة على البحر وتهديد خطوط مواصلاته البحرية، من هنا أولت قيادة القوات البحرية هذه المهمة اهتمامها. فمع تزايد اعتماد إسرائيل اقتصاديًّا وعسكريًّا على حركة النقل عبر البحار، ازدادت تبعًا لذلك كثافة شبكة خطوط مواصلاتها البحرية، لا سيما بعد أن سيطرت على مضايق تيران في خليج العقبة في أعقاب حرب 1967، وأصبح الطريق مفتوحًا لتجارتها مع الشرق الأوسط وبلدان شرقي إفريقيا عبر البحر الأحمر. وكانت أهم وارداتها المنقولة عبر هذا البحر هو البترول الخام الذي تحمله الناقلات من إيران إلى ميناء إيلات، ثم يتم نقله خط أنابيب -بعد حصول إسرائيل على حصتها منه- إلى عسقلون على البحر المتوسط، حيث يعاد شحنه على الناقلات إلى أوروبا مرة أخرى. ومن ناحية أخرى تمر خطوط تجارة ومواصلات إسرائيل البحرية -في البحرين الأحمر والمتوسط- بمناطق حاكمة يمكن استغلالها بنجاح كبير في عمليات التعرض لخطوط المواصلات الإسرائيلية كجزء من الهدف الاستراتيجي الأكبر، وهو: تشديد قبضة الحصار على اقتصاد إسرائيل ومجهودها الحربي، إلا أن إسرائيل اعتادت منذ بدء حوربنا معها أن يأخذ حصارنا البحري لها الشكل المباشر القريب، أي غلق مضيق تيران عند مدخل خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية أو عرقلة حركة السفن التجارية المترددة على موانيها المطلة على البحر المتوسط بواسطة الوسائل التقليدية المعروفة، والتي يصاحبها عادة إعلان مناطق عمليات حربية في مساحات محدودة من مياه البحار التي تحيط بالأراضي الإسرائيلية، إلا أن هذا الأسلوب في الحصار ثبت أنه في الظروف التي سبقت حرب أكتوبر 1973 تبين أنه لن يؤتي الثمار المرجوة منه، خصوصًا في ظل السيطرة الجوية الإسرائيلية على مسرح العمليات، لذلك تم تطوير حصارنا البحري لإسرائيل بحيث يحقق أهدافًا استراتيجية مؤثرة بعيدة عن ردود فعل نتائج العمليات الجوية والبرية، وذلك بالسيطرة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عند باب المندب والمياه المحدودة الاتساع في غرب البحر المتوسط، فمن هاتين المنطقتين يمكن فعلًا تهديد خطوط المواصلات البحرية لإسرائيل بعيدًا عن تأثير قواتها الجوية، بالإضافة إلى العمل أيضًا عند مضيق خليج العقبة، ومداخل الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط، ولأن أسلوب الحصار البحري البعيد مغاير تمامًا لما ألفته إسرائيل، فقد أحطنا إجراءات وتدابير تنفيذه بتكتم شديد ضمانًا لمفاجأة إسرائيل به. لذلك قامت القيادة السياسية المصرية باتصالات مكثفة مع بلاد المنطقة، خصوصًا دولتي اليمن الشمالي والجنوبي، للحيلولة دون احتلال إسرائيل بعض جزر البحر الأحمر.
وكان من المهم لنا أن يكون لدينا تصور عن طبيعة الاستراتيجية البحرية الإسرائيلية بعد أن سيطرت على سواحل طويلة على البحرين المتوسط والأحمر عقب حرب 1967، حيث يتعيّن عليها أن تخوض حربًا دفاعية في مياهها ونقل الحرب إلى مياهنا وسواحلنا، أخذًا باستراتيجية (ضرب المنبع) وحتى تضعنا في موقف الدفاع، وستعتمد إسرائيل في ذلك على لنشات الصواريخ المدعمة بالطيران لوضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ، كما ستزداد تشبثًا بالحفاظ على وجود قواتها بشرم الشيخ، لضمان تأمين حرية الملاحة في خليج العقبة، لذلك توقعنا أن تتسم أعمال القتال البحرية بطابع السرعة بعد أن حلّت الوحدات الخفيفة محل المدمرات والفرقاطات وأن الصواريخ بحر/بحر الموجهة وغير الموجهة ستحل محل قذائف المدفعية التقليدية مع استمرار اشتراك الطيران الإسرائيلي في المعارك البحرية كعنصر رئيسي للاستطلاع بعيد المدى والتعامل مع الأهداف البحرية عن بعد، مع توفير الغطاء الجوي لقطع البحرية الإسرائيلية في تحركاتها واشتباكاتها، مع عدم استبعاد استخدام سفن الإنزال للقيام بعمليات إبرار بحري في عمق قواتنا لتنفيذ أعمال تخريبية وقطع طرق تحرّك قواتنا البرية.
لذلك تمحورت المهام القتالية للبحرية المصرية وتركزت جهودها لمعاونة الأعمال القتالية لقواتنا البرية المهاجمة على الساحل الشمالي لسيناء وفي خليج السويس، مع التوسع في استخدام الألغام من جانبنا في إعاقة الملاحة المضايق البحرية وبمداخل الموانئ الإسرائيلية، حيث سيتعذّر على إسرائيل إزالتها لافتقارها إلى كاسحات ألغام، مع الاستعداد للدخول في معارك تصادمية في مسرح البحر المتوسط نظرًا إلى كثرة القواعد والمراسي المصرية والساحلية على ساحله، في حين ستقل مثل هذه المعارك في الجزء الشمالي من البحر الأحمر، حيث ستغطيه إسرائيل بقواتها الجوية.
في حين أن أسلوبنا المتطور في حصار إسرائيل عند باب المندب لن يتيح لقواتهم الجوية والبحرية التدخل عنده بفاعلية، حيث يبعد المضيق نحو 1200 ميل عن أقرب قاعدة إسرائيلية، وبما يتيح لنا استخدام المدمرات كقوة حصار خارج وداخل البحر الأحمر، فضلًا عن ممارسة جميع أشكال الحصار البحري ضد السفن التجارية قبل الاعتراض ومنع المرور والتفتيش والاحتجاز والمصادرة ثم القصف بقصد الإغراق إذا كانت السفن التجارية مسلحة أو تحت حراسة حربية. وبالنظر إلى احتلال إسرائيل لسيناء اقتربت مواقع قواتهم البحرية من قواعدنا البحرية في بورسعيد والسويس، حتى أصبحت على حافة قواعدنا البحرية، الأمر الذي فرض علينا نقل منطقة العمليات في البحر الأحمر لمسافة 1200 ميل جنوبًا، و600 ميل للغرب بعيدًا عن قواعد إسرائيل في البحر المتوسط، ومعنى هذا أن يبدأ الحصار عند باب المندب ووسط البحر المتوسط في وقت مبكر، وأن يستمر الحصار في أداء مهمته حتى تئن إسرائيل من وطأة ضغط الحصار عليها، بغض النظر عن سير القتال البحري والجوي. وهو ما فرض بالتالي على قواتنا البحرية أن تعطي اهتمامًا خاصًّا للتقيد بمبادئ الحرب الأساسية: السرية، الخداع، المبادأة، والمفاجأة، مع التركيز الشديد للأعمال القتالية، لا سيما في المرحلة الافتتاحية للعملية الهجومية. مع العمل على أوسع مواجهة ممكنة في مسرحي البحر المتوسط والبحر الأحمر، لتشتيت جهود العدو، مستفيدين في ذلك بالعمق العربي الاستراتيجي. وتركيز الجهد الرئيسي على المستوى التكتيكي في معاونة ودعم العمليات الهجومية للجيوش الميدانية على الجبهة المصرية، مع شن غارات بالنيران بحرًا على قواعد وموانئ ومراسي العدو بالبحرين المتوسط والأحمر وبعناصر من الصاعقة البحرية، والاستعداد للقيام بعمليات إبرار محدودة لعناصر من الصاعقة وقوات الجيش الثاني الميداني شرق نقطة العدو القوية شرقي بورفؤاد، وعلى الساحل الشرقي لخليج السويس، وفي المقابل إحباط أي محاولة قد يقوم بها الإسرائيليون لإبرار قوات لهم على أي جزء من سواحل البحرين الأحمر والمتوسط، ومنع أي تدخّل إسرائيلي في عمليات قواتنا البرية من جهة البحر.
وقد استهدفت خطة الخداع التي وضعتها قواتنا البحرية إيهام إسرائيل بأن قواتنا لم تفرغ بعد من استكمال استعداداتنا الدفاعية والتي تتطلب فترة زمنية طويلة، وبما يظهر بحريتنا أنها غير قادرة على الاضطلاع بمهام هجومية، وما يتطلبه ذلك من إبعاد انتباه إسرائيل عن التجمع الرئيسي لقواتنا البحرية واتجاهاته الرئيسية قبل العمليات وفي أثنائها، وإخفاء الهدف المباشر للعملية الهجومية وحرمانها من استنتاج التوقيت الصحيح لبدء الهجوم. لذلك نشطت الاتصالات مع شركات أجنبية بطلب أسلحة ومعدات، بل ووحدات بحرية أيضًا يستغرق توريدها شهورًا عدّة. وأيضًا قبول الدعوة التي وجهتها الأدميرالية البريطانية إلى رئيس أركان القوات البحرية لزيارة معرض (جرينتش) بالمملكة المتحدة، وبصحبته عدد من الضباط، والاستفادة من الطلب إلى تقدّمت به ليبيا باشتراك البحرية المصرية في الاحتفال العسكري الذي كان مزمعًا إقامته في ميناء طبرق لإرسال وحدات بحرية للغرب لأغراض الفتح التعبوي تحت ستار مشاركتها في الاحتفال. كما تم استغلال الترتيبات العلنية المتعلقة بإصلاح الغواصات بباكستان لكي تتخذ الغواصات مواقعها في مسرح البحر الأحمر في سرية، والإحياء بأن شدة حاجتها إلى الإصلاح تجعلها غير صالحة للعمليات والتي أبرزناها بتكثيف اتصالنا -عن عمد- بالسلطات الباكستانية لسرعة نقل التجهيزات الخاصة بأحواض إصلاح الغواصات إلى ميناء كراتشي. كذلك استغلال المناورة السنوية للقوات البحرية في رفع درجة استعداد القوات وتحميل الألغام واتخاذ الوحدات مواقع عملياتها تحت ستار التجهيز التمهيدي للمناورة، تم تنفيذ الانتشار الفعلي على أنه تحركات داخل إطار المناورة وفي حدودها.
تنظيم القوات وتوزيع الأدوار
تعيش القوات البحرية في وقت السلم في إطار تنظيم نوعي للوحدات البحرية في شكل ألوية ينضّم تحتها نوع واحد من أسلحة الحرب البحرية مثل المدمرات، الغواصات، لنشات الصواريخ، زوارق الطوربيد، السفن المساعدة.. إلخ، ولكن في وقت الحرب وطبقًا لطبيعة مهمة القتال يتم دمج نوعيات من هذه الأسلحة في مجموعات قتال. وعلى هذا أخذت مجموعات القتال تتشكل في تنظيم الحرب في سرية تامة على النحو التالي: 4 مجموعات ضاربة للعمل في مسرح البحر المتوسط، 2 مجموعة ضاربة بمسرح البحر الأحمر، مجموعة قتال مستقلة للعمل بمنطقة باب المندب، 3 مجموعات مستقلة تضم عددًا من الغواصات للعمل بمسرحي البحر المتوسط والبحر الأحمر، 2 مجموعة قتال مستقلتان تضمان عناصر من قوات الصاعقة للعمل بمسرحي البحر المتوسط والبحر الأحمر، احتياطي تعبوي خفيف الحركة في كل من المسرحين.. بدء الفتح التعبوي في التوقيت الذي يكفل وجود جميع مجموعات القتال في أماكنها صباح يوم 6 أكتوبر، لتبدأ تنفيذ مهمتها. وللمحافظة على سرية الهدف فقد تأكدت قيادة القوات البحرية أن مجموعة قتال المندب أبحرت مستعدة تمامًا للقتال، وفي الوقت المناسب في أثناء المرحلة البحرية فتح قائد المجموعة مظروفًا سريًّا وجد به تعليمات القتال.
ولم تواجهنا صعاب تُذكر في انتشار مجموعات قتال البحر المتوسط، نظرًا إلى أن قواعد ومراسي هذا البحر كانت مجهّزة مسبقًا، على عكس قواعد ومراسي البحر الأحمر التي زاد عددها كثيرًا لتغطي متطلبات عمليات التعرض لخطوط مواصلات إسرائيل البحرية التي تمتد بطول هذا البحر، هذا فضلًا عن تعزيز تجهيزات القواعد البحرية والمراسي الصديقة المحيطة بباب المندب لخدمة الوحدات البحرية المصرية العاملة بالمنطقة، ورغم كل ما صادفناه من مشكلات إدارية وصعاب فنية في تجهيز مسرح البحر الأحمر، فإننا بفضل الله نجحنا وبالتعاون البناء مع بحريات السودان واليمن وسلطات هذه الدول في الانتهاء من تلك التجهيزات في الوقت المناسب لاستقبال وحداتنا البحرية في التوقيت المحدد.
وتحت ستار مشروع تدريب استراتيجي تعبوي مشترك، والمناورة البحرية السنوية، رفعت درجة استعداد القوات المصرية إلى الحالة الكاملة في الساعة الثامنة من صباح يوم أول أكتوبر وتم احتلال جميع مراكز القيادة والسيطرة على مختلف المستويات، وبدأت آلة الحرب الضخمة تدور بسرعة وانتهت قيادة القوات البحرية خلال الأيام القليلة السابقة من تلقين قادة القواعد والمجموعات القتالية وكبار ضباط الأركان بالمهام التي سيضطلعون بها، وأسلوب القيادة والسيطرة. وقد تحددت الساعة السادسة صباح يوم 5 أكتوبر موعدًا لتمام استعداد القوات المسلحة المصرية للعمل على جميع المسارح والجبهات. وفي خلال المدة بين التوقيتين – 94 ساعة قامت القوات البحرية بأكثر من 150 تحركًا وطلعة في اتجاهات مختلفة، بعضها فعلي لأغراض العمليات، والبعض الآخر تمويهي لأغراض الخداع. وإمعانًا في التضليل توجّه قائد القوات البحرية كعادته إلى نادي اليخت المصري بالإسكندرية أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس (2، 3، 4 أكتوبر) للاشتراك في مسابقات القوارب الشراعية والتي يشترك فيها أيضًا مجموعة كبيرة من الضباط البحريين والضيوف الأجانب، فبدت الأمور طبيعية، كما اتفق قائد البحرية مع بعض أعضاء مجلس إدارة النادي، بصفته رئيس المجلس، على الاجتماع بهم بعد ظهر يوم السبت 6 أكتوبر.
السادس من أكتوبر 73
تسللت الغواصات بهدوء إلى مناطق عملياتها للتعرض لخطوط المواصلات بالبحر المتوسط وإلى مناطق عملياتها في وسط وجنوب البحر الأحمر. كذلك انطلقت المدمرات بسرعة إلى مواقعها داخل وخارج مضيق باب المندب في أقصى جنوب البحر الأحمر. كما قامت وحدات التلغيم ببث حمولتها في مياه المدخل الجنوبي للخليج، ونقلت قوات الصاعقة في صمت قواربها وأسلحتها عند بورسعيد، وفي مراسي الساحل الغربي لخليج السويس، وكانت المركبات والزوارق في حركة دائمة تحمل الصواريخ والألغام إلى مواقع سرية على ضفاف المسرحين، كذا ناقلات البترول تقترب من مناطق عمليات مجموعة قتال باب المندب لإمدادها بالوقود.
وفي نفس توقيت الضربة الجوية بواسطة 220 طائرة والتمهيد النيراني للهجوم بواسطة 2000 مدفع سعت 1405، دخلت زوارق الصواريخ والمدفعية الساحلية المصرية في معركة التمهيد النيراني ضد العدو شرق بورفؤاد، وتجاه رأس مسلة وعيون موسى عبر خليج السويس، وفي الساعة الثالثة والنصف أعلنت وزارة الخارجية عن مناطق العمليات الحربية في مسرحي البحر المتوسط والبحر الأحمر، وأصدرت أيضًا حكومة اليمن الجنوبية إعلانًا مشابهًا يشمل مياه منطقة باب المندب، وأصبحت العمليات البحرية المصرية ضد إسرائيل تغطّي أكثر من نصف مليون كيلومتر مربع من مياه البحرين المتوسط والأحمر.
وقد تمكّنت قواتنا البحرية باستخدام سلاحي المدمرات والغواصات علاوة على سلاح الألغام البحرية من تنفيذ مهمة التعرّض لخطوط مواصلات إسرائيل البحرية في البحرين المتوسط والأحمر بكفاءة تامة، حيث أغرقت قواتنا البحرية ناقلتين للبترول لإسرائيل حمولة إحداهما 46 ألف طن، مما أدّى إلى غلق خليج السويس أمام الملاحة الإسرائيلية تمامًا، وبعدها لم تدخل أو تخرج أي سفينة من ميناء إيلات، وكانت إسرائيل تمتلك آنذاك 24 ناقلة بترول تشترك في نقل 18 مليون برميل من إيران إلى ميناء إيلات، وغرق معها لنش إنقاذ حاول مساعدتها، كما تمكّنت كمائن الألغام بالمنطقة من إصابة نقالة أخرى حمولتها 2000 طن. وبعد إطلاق الغواصة المصرية وسط البحر الأحمر طوربيداتها على ناقلة بترول إسرائيلية تقوفت الملاحة تمامًا إلى ميناء إيلات. وفي البحر المتوسط انخفضت حركة الملاحة من وإلى إسرائيل بشكل حاد، مما أثّر على احتياجاتها الملحة لاستعواض خسائرها من الطائرات والدبابات والأسلحة والذخائر عن طريق البحر، وتبيّن الإحصاءات أنه نتيجة استخدامات مجموعات القتال في البحر المتوسط انخفض معدل دخول السفن التجارية إلى موانيها على هذا البحر من 200 سفينة شهريًّا إلى 23 سفينة فقط خلال الفترة من 6 أكتوبر إلى يوم 30 أكتوبر، أي بواقع 12% فقط من حجم النقل البحري لإسرائيل.
وقامت مجموعات القتال في البحر المتوسط بتنفيذ مهمة تدمير وحدات إسرائيل البحرية، كما استخدمت المدفعية والصواريخ الساحلية بالتعاون مع زوارق الصواريخ بمدخل خليج السويس. كذلك قصف الموانئ والمراسي الإسرائيلية بالصواريخ، وذلك بأسلوب متطوّر اتسم بخفة الحركة وسرعة المناورة مع توفير قوة نيران عالية، وذلك على جبهة عريضة شملت رأس بيروت وشرق بورفؤاد ورمانة ورأس سدر وشرم الشيخ ورأس محمد وعيون موسى ورأس مسلة، مما أحدث خسائر جسيمة في المعدات والأفراد، وتعرّضت وحداتنا البحرية لتدخل البحرية والطيران الإسرائيلي في أثناء عودتنا بعد تنفيذها مهامها. وقد شاركت في هذه العمليات 52 قطعة بحرية متنوعة.
وفي مجال تأمين النطاق التعبوي لمسرحي العمليات في البحرين الأحمر والمتوسط، وتنظيم الدفاع عن قواعدنا البحرية ونقاط التمركز، فقد كان لكثافة إجراءات التأمين أثرها الفعال في إحباط محاولات إسرائيل استخدام غواصاتها في مواجهة وحداتنا البحرية، أو تنفيذ عمليات خاصة، مما جعل العمل بميناء الإسكندرية الرئيسي في الدولة يجري بطريقة طبيعية ليل نهار طوال فترة العمليات. كما فشلت محاولات البحرية الإسرائيلية للتسلل بالضفادع البشرية والكوماندوز البحرية في بورسعيد والسويس والغردقة، حيث قوبلت بدفاعات يقظة من جانب قواتنا بالقواعد البحرية، نفس الأمر بالنسبة إلى ميناء سفاجا الرئيسي على البحر الأحمر، وبذلك تم تأمين وصول الإمدادات المختلفة إلى مصر، وعدم إتاحة الفرصة لقيام البحرية الإسرائيلية بأي عمليات ضد خطوط مواصلاتنا البحرية.
وقد قامت القوات الخاصة البحرية بتنفيذ عمليات إغارة ناجحة ضد الدفاعات الساحلية الإسرائيلية في رأس سدر، وأبو درية، ورأس بيتان بخليج السويس، فضلًا عن غارات على حقول البترول التي كانت إسرائيل تستغلها في بلاعيم، وإغراق ناقلة بترول تعمل لصالح إسرائيل لحمولتها 2000 طن بميناء الطور.
"
هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟

هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟