رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

ألحان السماء

عبدالعظيم زاهر.. مؤذن فيلم "في بيتنا رجل"

الثلاثاء 30/يونيو/2015 - 06:25 ص
عبد العظيم زاهر
عبد العظيم زاهر
كرم منصور
طباعة
كثير منا يحفظ عن ظهر قلب أحداث فيلم «في بيتنا رجل»، الذي أنتج في بداية الستينيات، عن قصة الأديب الكبير إحسان عبد القدوس، وما تضمنه من اختباء الشاب «إبراهيم حمدي»، الذي قام بدوره النجم عمر الشريف، في منزل أحد المواطنين، بعد نجاحه في اغتيال رئيس الوزراء المتعاون مع الاستعمار، ذلك المشهد الذي زينه أذان المغرب بصوت الشيخ عبد العظيم زاهر، الذي أطلق على صوته لقب «مزمار داوود».
في قرية «مُجُول» إحدى قرى محافظة القليوبية وتحديدًا في الثانى والعشرين من شهر فبراير عام ١٩٠٤، كانت «البداية» ومولد «الشيخ زاهر»، وقبل وصوله إلى الثامنة من عمره كان أتم حفظ القرآن الكريم داخل «كُتاب القرية»، وأظهر نبوغًا مبكرًا دفع والده إلى السفر به إلى القاهرة ليلحقه هناك بمعهد القراءات الذي شهد تلقيه دروسًا في القرآن وأحكام التلاوة على يد الشيخ خليل الجناينى.
وداخل «معهد القراءات» تميز صوت «الشيخ زاهر» بنبرة حزن شجية اقتربت إلى صوت «الناى والكمان» وما شابهما من «آلات موسيقية حزينة»، بجانب «خشوع التلاوة» الذي تميز به دون سواه من المقرئين، ما جعل صوته أكثر الأصوات خشوعًا في التلاوة وأعظمها «جزالة ورقي» بما يتناسب مع عظمة آيات الذكر الحكيم.
التقطت إذاعة القرآن الكريم في فبراير أيضًا - شهر مولده - وتحديدًا عام ١٩٣٦ صوته «الندي» وعرض مسئولوها عليه الالتحاق بها، ليمنحهم مبتغاهم ويمنح مستمعيها إبداعًا، كان منافسًا في ذلك الوقت لصوت «قيثارة السماء» الشيخ محمد رفعت، الذي تناوب معه التلاوة بشكل يومى عبر أثيرها، ما دفع سعيد باشا لطفى، مدير الإذاعة آنذاك لتسميته بلقب «صاحب الصوت الذهبي»، وهو الذي حرص المذيع محمد فتحى الملقب بـ«كروان الإذاعة» على تقديمه به قبل تلاوته بشكل دائم.
يحكى «صلاح زاهر» نجل الشيخ حكاية تدل على رقى «أساطير التلاوة» تفاصيلها تقول إن كلًا من «رفعت وزاهر» كانا يتناوبان على قراءة القرآن بالإذاعة في شهر رمضان، واشترط مسئولوها عليهما عدم المغادرة إلا قبل رفع أذان المغرب، فاتفق الشيخان على أن يستضيف كل منهما الآخر، فإذا كانت التلاوة على «رفعت» يخرج بعدها إلى منزل «زاهر» بحلمية الزيتون، وإذا كانت التلاوة من نصيب «زاهر» يذهب ليبل عروقه ويذهب ظمأه ويثبت أجره بالإفطار لدى «رفعت» في منزله بمنطقة «درب الجماميز».
من المواقف التي حدثت أيضًا مع «زاهر» وتدل على مكانة واعتزاز «مقرئ القرآن» بما يتلوه قبل نفسه، ما وقع من خلافات بينه وبين مدير الإذاعة الإنجليزى «ماركوني»، والذي قال له «الشيخ زاهر» وقتها: « شرف للإذاعة وجود مشايخ القرآن المصريين، ولا تجد هذا الشرف مع وجودك كمدير لها»، يقرر بعدها مقاطعة «الإذاعة» ويتضامن معه «رفعت» ومع مطالبات الجمهور بعودتهما رضخ المسئول الإنجليزى لطلباتهما وعادا مرفوعى الرأس.
تستمر حكايات «الشيخ زاهر» ومنها تلك التي تعكس ورعه وتقواه، إذ كان يملك أرضًا «مؤجرة» لأحد أفراد قريته التي كان يزرعها «قطن» أصابته «الدودة» وتلف معظمه، ما دفع «المستأجر» لبيع «جاموسته» لسداد ما عليه من ديون للشيخ «زاهر»، الذي أقسم فور علمه بألا يأخذ «مليمًا» واحدًا منه وقال: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا».
حكاية أخرى عن «الشيخ زاهر» ذكرها الكاتب محمود السعدنى في كتابه «ألحان السماء»، تقول إن أحد أعيان وأثرياء «حى المذبح» دعاه لإحياء ليلة قرآنية، فطلب الشيخ ٣٠ جنيهًا وأمهله ساعتين للحضور إليه في منزله ودفع المبلغ، مع وجود سيارة تقله إلى مكان إقامة «الليلة»، رفض «الثري» لضخامة المبلغ آنذاك، وحاول البحث عن مقرئ آخر فلم يجد لينفذ بعدها شروط الشيخ، وما أن انتهى من تلاوته أخرج «الثري» ٣٠ جنيهًا أخرى وأعطاها للشيخ وقال: «تستحق ضعف ما اتفقنا عليه فصوتك من نسمات الجنة».
كان «زاهر» يستطيع التلاوة بنفس القدر من الإتقان والإبداع لمدة ٥ ساعات متواصلة، ما دفع الشيخ أبو العينين شعيشع لأن يصفه بقوله: «الشيخ عبد العظيم زاهر مزمار من مزامير داوود»، وعندما استمع لتلاوته الشيخ على محمود، أسطورة القراءة في عصره، أخذ يتمايل إعجابًا وطربًا بالألحان السماوية وقال: «لم يخطئ قط في التلاوة».
قبل اندلاع ثورة يوليو ١٩٥٢ تم اختيار «زاهر» لتلاوة القرآن بمسجد «محمد على» بالقاهرة، ورغم تفضيله للقراءة برواية «حفص عن عاصم»، إلا أنه تلى ورتل بمختلف القراءات في العديد من الإذاعات العربية والأجنبية، وخلال مشاركته على رأس البعثات التي أرسلتها وزارة الأوقاف خارج مصر لإحياء ليالى شهر رمضان، وفى مقدمتها: «السعودية، الأردن، اليمن» التي كان يقضى فيها أياما قليلة لعدم طاقته البعد عن أرض الوطن.
رغم عدم وجود نسخة «كاملة» للمصحف المرتل بصوت «الشيخ زاهر» إلا أن تسجيلاته لسور: «القصص، الحج، مريم، الزمر، القمر، الرحمن، يوسف»، لا تزال تُبهر مستمعى إذاعة «القرآن الكريم» حتى الآن حاملة بصوته الرخم «روايح الزمن الجميل» لأجيال ما بعد فترة السبعينيات. وبعد ما يقرب من نصف قرن في «خدمة القرآن» وسحر أهله.
انتقل «الشيخ زاهر» لجوار ربه عام ١٩٧١، ليرتل القرآن هناك وسط نداءات الملائكة: «اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها‏».
"
هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟

هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟